تحتار من أين تبدأ وأين تنتهي وأنت ترغب بجولة سياحية على معالم طرابلس والميناء الأثرية، والتراثية، فهي كم كبير يمكن البدء بتعداده، ولا نعرف كيف ينتهي. لذلك، على محبي التاريخ والآثار والتراث اختيار حلقة، أو مسار محدد يكفيه يوما كاملاً ليعود بمسار جديد في فترة لاحقة.
المسار الذي تم اختياره اليوم يبدأ ببرج السباع أو برج برسباي، نسبة لبانيه الأمير المملوكي. يقع البرج عند الطرف الشمالي لمدينة الميناء، ويبعد زهاء مائتي متر عن بوابة المرفأ. وهو واحد من سبعة أبراج بناها المماليك إثر سيطرتهم على طرابلس، وطرد الصليبيين منها، وذلك بعد أن دمروا سور المدينة القديمة، الضخم، فلم يكن لديهم الوقت الكافي لإعادة بناء السور، وحماية المدينة التي سيطروا عليها، وشرعوا بإعادة بناء أجزاء كبيرة منها.

اختاروا لحماية مدينتهم إقامة سلسلة أبراج متواصلة على الشاطئ، يستطيعون منها المراقبة، والتنسيق لصد أي هجمات محتملة على المدينة.
برج السباع واحد منها، ولا تزال ميزاته العسكرية تحكي عن دوره، منها من الخارج، كتدعيم جدرانه بأعمدة غرانيت صلبة متعاكسة، تجعل الجدران أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على المقاومة.
وفي الطبقة العليا من الداخل، وعلاوة على متانة الجدران، والأقبية، وضخامة عضاضاتها، فهناك منشآت دفاعية، مثل النوافذ المطلة، وشقوق رماة الأسهم المتطاولة.
للبرج مدخل جميل من مقرنصات مملوكية، وحجارة بلقاء متناوبة بالأسود والأبيض، وأمامه عدة درجات. شكله مستطيل لكن أقرب إلى أن يكون مربعاً. جدرانه عالية تزيد على الاثنتي عشرة متراً ارتفاعاً تجعل دخوله صعباً.

على تماس مع موقعه، تقع محطة القطار الطرابلسية، التي ما زال قسم من عنابرها قائماً، لكن متآكل، وفيها قاطرات توقفت وما زالت مقيمة في "هنغاراتها"، تختزن تاريخاً مزخماً بالحيوية والنهوض في زمنه مطلع القرن العشرين. وتبدو أجزاء متقاطعة من السكك الحديد التي امتدت جنوباً إلى بيروت، وشمالاً إلى حمص، ومنها إلى أصقاع بلاد الشام.
المحطة زاخرة بالمعالم التي تنير صناعة ذلك العصر المتطورة الأوروبية، والمدى الذي بلغته في حينه. كما تشير لمن يحب الاستطلاع، إلى أن قطاراً سريعاً عرف بـ"قطار الشرق السريع"، كان ينطلق من المحطة نحو أوروبا مرة في الأسبوع، ينقل معه الركاب إلى مختلف البلاد الأوروبية، ومنهم طلاب الجامعات الطرابلسيون، واللبنانيون بعامة، الذين تابعوا تحصيلهم العلمي في الجامعات الأوروبية.

كانت الرحلة تستغرق أربعة أيام، وتنتهي في باريس، بعد أن تقطع ساحل سوريا الشمالي، فتركيا، ومنها عبر جسر البوسفور المتحرك نحو بقية الدول الأوروبية تباعاً.
تتواصل الجولة متوازية مع خط الساحل، فتصل إلى مستديرة الشراع الحديثة، إشارة إلى دور المدينة البحري، ثم مرساة ضخمة قريبة من مركز شرطة البلدية، تؤشر إلى نوعية البواخر التي رست في ميناء المدينة، ومنها السفينة الحربية الأضخم في عصرها فيكتوريا البريطانية التي غرقت في بحر المدينة، ولا تزال بقاياها في أعماقه.
بعده مبنيان متماثلان، استملكهما رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي وحولهما منزلاً له، وهما كانتا تكيتين من الزمن العثماني.

على الشاطئ يبدو جامع عمر بن الخطاب الحديث الذي بني على أنقاض مخفر للدرك جرى تدميره في ثورة 1958، وخلفه الأسواق القديمة التي ترتفع فيها بشكل بارز مئذنة الجامع العالي، أو الجامع المعلق، وهو شقيق للجامع المعلق في باب الرمل، بنيا في الفترة عينها زمن العثمانيين، ويحملان كثيراً من الخصائص العمرانية المتشابهة، ومنها شكل المئذنة أساساً.
قرب الجامع العالي، تقع المدرسة الماردانية، على مدخلها الخفيض عمودان من الرخام تعلوهما قبة كورنثية، وتحت كل منهما كرة حجر سوداء هي من مقذوفات مدافع ذلك العصر، والذي يعرف بالمنجنيق.
أعمق قليلاً في الأسواق، يقع جامع غازي، وقربه قصر غازي، التابع لعائلة غازي التي كان منها كبار ضباط في الجيش العثماني، والغازي لقب لرتبة من أعلى الرتب العسكرية في الجيش العثماني.

عودة إلى طريق الشاطئ، حيث تقوم أعمدة غرانيت جمعت من أرجاء المدينة، ويقول المؤرخون إنها من بقايا الأبنية المدمرة عندما دخل المماليك المدينة بعد تحريرها من الصليبيين.
ثم نأتي إلى مبنى مرتفع لاثنتي عشرة طبقة، عرف بمبنى البرج، أهميته أنه يحتضن في باطنه برج عز الدين، أحد سلسلة الأبراج السبعة، ومنها برج السباع. تبدو ضخامة عضاضاته من الداخل، وأقبيته المتقاطعة، يبلغ ارتفاعه اثني عشر متراً، تقديراً، يحكي شكله عن متانته، واستحالة سقوطه، تعبيراً عن القوة التي اختبرها المماليك في عمارتهم الحربية.
يجري استثمار البرج كمطعم من قبل جمعية بيئية، أسسها صاحب مبنى البرج، وتستخدم مدخولاته في تطوير الميناء بيئياً، بحسب ناشطي الجمعية مشغلي المطعم.
بعد البرج بقليل يرتفع نصب "الإعصار" الذي شاده الفنان الطرابلسي الراحل ماريو سابا، أشار فيها إلى أعاصير الميناء، لكنه استخدم فيه الكومبيوترات التالفة، التي أتى عليها إعصار الحداثة السريع، إشارة إلى الأعاصير التي واكبت ظهور الكومبيوتر، وتطوراته في انقلاب حياة البشر على الكرة الأرضية رأساً على عقب.

عبوراً إلى الداخل من نقطة "الإعصار"، نحو "مينو"، الشارع الحديث المحافظ على طابع تراثي، يحاكي "مونو" بيروت، وعلى الطريق نحو الحي، قبالة الشاطئ الفضي، محترف الفنان الطرابلسي المهندس غسان عكاري للسفن اليدوية، بالتلاصق مع محترفه مركز "جوقة كورال الفيحاء" التي انتقلت إليه حديثاً، وفي القاعة كثير من الموسيقى، والإنشاد، والأحاديث الفنية مع فناني الكورال.
عابراً مونو، مدخله مطعم "الكاف"، أول المطاعم التراثية الذي أقامه سيمون جرجورة في مبادرة فتحت الباب لبقية المطاعم، والحانات ليتحول السوق إلى سياحة تراثية جمعت المجلس، والمنتدى، والترفيه المتنوع، في بيئة أهلية دافئة.

من "مينو"، يمكن العبور في أزقة الميناء القديمة النظيفة والمرتبة، شرفاتها الأرضية مجالس ودواوين صباحات، وسمر ليلي، وفيها بعض الأوتيلات الصغيرة كـ"فيا مينا"، و"النسيم".
للخروج من الجهة المقابلة في الجولة، وعند نهايتها، تقوم كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، ترتفع أبراج جرسها، عالياً، وتختزن فنون الهندسة البيزنطية، بتشكل هياكلها، وأيقونسطاسها، وايقوناتها، وفيها كثافة فنون كنسية شاءها أبناء الميناء أن تكون مقامهم الديني أواسط القرن التاسع عشر، ترقباً لمرحلة نهوض في البشارة الأرثوكسية التي ظلت مطوية، ومتوقفة، منذ وفود الصليبيين إلى الشرق.

نبض