السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

كيف ينظر "ثلاثي السلطة" إلى وضع الحريري وإمكان عودته إلى الرئاسة الثالثة؟

ابراهيم بيرم
ابراهيم بيرم
Bookmark
كيف ينظر "ثلاثي السلطة" إلى وضع الحريري وإمكان عودته إلى الرئاسة الثالثة؟
كيف ينظر "ثلاثي السلطة" إلى وضع الحريري وإمكان عودته إلى الرئاسة الثالثة؟
A+ A-

قبيل ايام، غزا مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر الوزير السابق وأحد القياديين المخضرمين في "تيار المستقبل" جمال الجراح، وقد دخل في مشادة حادة مع مجموعة من "الثوار"، دخلوا اليه وهو يحتسي القهوة في أحد مقاهي الزلقا، طالبين منه الخروج من المكان، موجهين إليه انتقادات حادة، لجهة عدم "اكتراث" نواب "المستقبل" عن بيروت، بالمناطق والاحياء المتضررة من جراء انفجار المرفأ، وعدم مبادرتهم الى تفقدها كما يتعين.

كعادته تعاطى الجراح بخشونة مع الفريق الشبابي الذي اقتحم عليه "خلوته"، ولكن تلك الواقعة على محدوديتها ذهب "خصوم" التيار الأزرق الى وضعها في كفة الاستنتاج الذي سرى في الآونة الأخيرة، وفحواه أن "سقوط حكومة الخصم الألد لزعيم التيار ورئيسه، أي حكومة حسان دياب، ومعها ما أصاب البيئة السياسية التي أمنت نهوض هذه الحكومة وانطلاقها من خسائر معنوية، لا تعني بالضرورة:\r\n

ان عودة التيار الازرق للقبض على زمام الرئاسة الثالثة عبر زعيمه الرئيس سعد الحريري قد صارت مضمونة ومألوفة. وعلى فرض حصولها فلن تكون عودة المظفر المنقذ العائد على حصان أبيض.\r\n

ان هذه العودة ان اكتملت شروطها وتمت وفق ما هو مأمول، ليست بالضرورة خروج هذا التيار من ليل أحزانه وأزماته ومن ثم عودة "أيام سعيدة" وطويلة.\r\n

فلم يعد خافيا ان حملة الانتقاد الحادة التي صوبت نحو حكومة دياب المستقلة والثلاثي السياسي المعروف الذي أمن لها الاحتضان، وتحميلهم جزءا كبيرا من تداعيات انفجار المرفأ المدوي، وتداعيات عصفه السياسي، لم تكن بالضرورة تمجيدا من المنتقدين بالثلاثي السياسي الذي آثر ترك ساحة الحكم والحكومة والانكفاء الى موقع المعارضة منذ ثمانية أشهر، اي "المستقبل" والاشتراكي و"القوات". بات واضحا ان الطبقة السياسية التي تربعت على عرش الحكم سابقا بكل أطيافها وتلاوينها، أي الموالين والمعارضين على حد سواء، قد وضعت في دائرة الاتهام والشك، وسارعت جهات شبابية عدة تنتمي الى "الثورة"، الى تحميلها جزءا من المسؤولية والتبعات، كون جذور انفجار المرفأ تعود إلى أعوام خلت أي أيام حكومات كان معارضو اليوم على رأسها ومن ضمنها.\r\n

وقد صار مكشوفا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد استخدم كل "براعته" في افتعال خطوط تماس مع كل من يضعهم في مقام الخصم، لكي ينزه نفسه من أي مسؤولية لدرجة أنه رفع وأعضاء من حزبه ومكتبه السياسي، شعار تعليق المشانق للحكومة ولرموز العهد.\r\n

كما بات جليا أيضا ان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع قد استخدم "رصيده" المعروف في النأي بنفسه عن كل مسؤولية، والسعي بعجالة لكي يحشر "خصمه" التاريخي الألد، ومنافسه القوي على الساحة المسيحية، وإظهار نفسه بمظهر القادر على المبادرة من خلال العمل على فرط عقد مجلس النواب.\r\n

إلا أن اللافت في المشهد كله هو ان الرئيس الحريري وقيادات تياره، آثروا، ورغم ان الفرصة فرصتهم، الابتعاد عن واجهة الصورة وصدارة الحدث، ولم يتصرفوا بشكل استثنائي يثبت للقاصي والداني انهم قد استعادوا زمام المبادرة، وضمنوا عودتهم المأمونة الى الملك السياسي الذي فقدوه قسرا أو طوعا، بعد عشرة أيام على اندلاع الحراك في تشرين الاول الماضي.\r\n

وكان لافتا ان الوسط السياسي الذي دأب دوما على تسمية الرئيس الحريري مرشحا "أكيدا" وحصريا للرئاسة الثالثة، لم يظهر بالحماسة عينها، كما ان الفريق السياسي الذي يدور في فلك التيار الازرق بدا خارج الصورة كلها، بل بدا في وضع المربك والمنهك.\r\n

ومن أبرز المعطيات التي فاجأت الكثيرين وقدمت كشاهد على "ضعف الحالة الحريرية" هي أن الحليف الأقرب لهذه الحالة، وهو وليد جنبلاط بادر فور استقالة حكومة دياب الى زيارة مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، وخرج من لقائه مع الرئيس نبيه بري ليعلن ان لا مرشح حصريا لديه لتأليف الحكومة، ولا شروط مسبقة له، فأدرج ثلاثي السلطة هذا السلوك الجنبلاطي كعلامة على ان رئاسة السلطة الثالثة ليست معقودة تماما للرئيس الحريري.\r\n

في الوقت نفسه، فإن الثلاثي عينه، تبلغ بشكل متواتر بأن الهم الأساسي للرئيس الفرنسي ماكرون، الذي قدم نفسه للقوى الثمانية الاساسية في البلاد، على انه الوصي على مستقبل الوضع اللبناني، بتأييد من واشنطن ورضا أوروبا، هو حكومة تأخذ جديا على عاتقها مهمة السير قدما في إصلاح حقيقي من شأنه ان يكون عامل جذب للدعم الخارجي للبنان. وقد فسرت أوساط الثلاثي هذا التوجه الفرنسي على ان الحريري ليس بالضرورة جديرا بأداء هذا الدور، أو التصدي لهذه المهمة التي وعد بها سابقا، وحالت ظروف وعوائق عدة دون الوفاء بمندرجاتها، وآخر محطات ذلك، هو مقررات مؤتمر "سيدر" الذي رعته وأخرجته باريس، بهدف أساس وهو تمكين الحريري من أداء دور استثنائي مميز وانقاذي، ولا سيما بعد قضية "الاحتجاز" القسري في الرياض، وما نجم عنها من تداعيات.\r\n

وفي كل الاحوال، ثمة في وسط الثلاثي في الحكم إياه، من بدأ يتحدث عن موجة تعقل وتروٍ، قد فعلت فعلها في رأس الحريري، وبالتالي أقنعته بعدم المضي بعيدا في "الزعم" بأنه مرشح حصري للرئاسة الثالثة، وأن هذا المنصب من "حقه الشرعي" نزولا عند المسلمة القديمة حكم الاقوياء في طوائفهم، وهذا الامر لم يكن ضمن سلوكه السابق.\r\n

وواقع الحال هذا هو بالنسبة للثلاثي إياه:\r\n

تعبير عن أن الحريري قد عرف حجم قوته وقدراته على أداء استثنائي من طبيعة انقاذية فاختار أن يسير الهوينا.\r\n

دليل على ان الرجل تيقن أن مرتكزات الدعم والاسناد الغربية والعربية له على حد سواء، لم تعد بالزخم عينه، وتجربة الحريري في حكومته الاخيرة وانسداد أبواب عواصم عربية أمامه شاهدة حية على ذلك.\r\n

وبالاجمال فإن هذا الثلاثي عينه، يقدر أن الحريري لم يعد بمقدوره ان يحتمل خروجا قسريا ثالثا من سدة الحكومة، لذا اختار التأني والتمهل وربما التواضع وفتح الباب أمام خيارات أوسع تكون مريحة للجميع.\r\n

ومع كل ذلك، فإن السبل لم تسد تماما أمام عودة الحريري الى السرايا الكبيرة، ولكنه ليس بالضرورة المرشح الحصري لهذا المنصب كما في السابق.