حلم حكومة الوحدة الوطنية والطريق الوعرة المؤدية إليه
Smaller Bigger

مما لا ريب فيه أن حكومة حسان دياب فقدت شرعيتها بعد انفجار 4 آب. أطاحت هذه الجريمة بأي مبرر لاستمرار الحكومة من ناحية الإهمال والتقاعس تجاه التحذيرات من خطورة تخزين مواد متفجرة في المرفأ، في المرحلة المؤدية إلى الفضيحة الكبرى، أو من ناحية التقصير في إدارة الأزمة بعد حلولها سواء في تحمّل المسؤوليات أو التحقيق أو إعادة الإعمار. كما بدأت تظهر سريعاً مؤشرات التخلي عن الحكومة والطعن في الظهر ممن أعطاها الثقة في شباط 2020 من خلال كرّ مسبحة الاستقالات وبالتالي التصدّع في الركائز الداعمة لها من أفرقاء وأحزاب. وبالفعل، أتت الاستقالة الجماعية بعد أسبوع من الانفجار.

وفي ظل تسارع وتيرة التطورات السياسية، توازياً مع تحركات الشارع الغاضبة، بدأ يراود البعض حلم حكومة الوحدة الوطنية كحلٍّ إنقاذي بديل. في الواقع، فإن حكومة الوفاق هي حلم جميع الأفرقاء بدون إستثناء فهي تعود بالفائدة عليهم وتضمن ديمومتهم. أمنياً، تؤمّن هكذا حكومة سيطرة الزعماء والأحزاب على جميع الأجهزة الأمنية المخابراتية العسكرية كما يستطيعون مشاطرة النفوذ على مرافق الدولة الحيوية كالمرفأ والمطار والحدود البرية.

مالياً، تُعيد هكذا معادلة سيطرة السلطة على القرار المالي في البلد من خلال المحاصصة والمحسوبيات وترسّخ من جديد حكم المصرف لما فيه من مصلحة مباشرة لأصحاب رأسمال وطبقة الـ1%.

سياسياً، تحتكر هكذا حكومة القرار السياسي وتنفرد بالبت بمصير البلد عملاً بقاعدة "إحميني تإحميك" متيحة لمعارضة شكلية، ما هي إلا "ديكور"، لا تقدّم ولا تؤخّر وعلى الأرجح مستعدة أن تكبح جماح معارضتها إذا ما تم شملها في المنظومة والحصص.

طائفياً، تستكمل هكذا حكومة إستباحة تركيبة لبنان المتنوعة طائفياً فتُجاهر في تصرفاتها وقراراتها الطائفية وإحترامها لمفهوم 6 و 6 مكرر، وتكتفي بالتأسف لاضطرارها أن تتكلم بهذه اللغة. تستطيع من خلال الطائفية السياسية أن تأسر القضاء وجهات المحاسبة وقوانين الانتخابات وحتى المناهج التربوية.

في ظل هذه الإغراءات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تصطدم السلطة بشارع فائر غاضب ليس لديه ما يخسره بعد الآن. كيف تستطيع هذه المافيا تجاوز هذا الحاجز الشعبي الثوري الرافض للوضع الراهن والمنادي بـ"كلن يعني كلن"؟ الحل قد يكون، لا سمح الله، فرض أمر واقع عبر اللعب على الوتر الطائفي المذهبي من خلال افتعال حادث أمني داخلي يمهّد الطريق الوعر أمام ضرورة إنشاء حكومة شاملة لحقن الدماء وتهدية النفوس. من المؤكّد أن زعماء الفتنة لن يجلسوا مكتوفي الأيدي يتفرجون على انهيار هيكل منظومتهم نتيجة التصدع المهول الذي أصابها جرّاء انفجار 4 آب، هي التي عملوا على تمتينها وتصليبها في آخر 4 عقود. فقد أتى هذا الانفجار ليقضي على نهج الفساد المستشري منذ عقود مبرراً أي محاولة لإقتلاع هذه السلطة من شلوشها خاصة بعد تراكمات الإنهيارات المعيشية والاقتصادية خلال السنة الماضية. وبالتالي، فإن فرصها بالنجاة والبقاء قد تستوجب حدثاً ذي حجم متناسب نسبي، يُوظَف سياسياً ليُعيد ترتيب الاصطفافات وتوليد الغرائز، وقد يأخذ شكل توترات مذهبية تكون أبشع من أحداث 6/6 وليس ببشاعة 7 آيار، أو عملية إاتيال. لا سمح الله.

أيّاً كانت الوسيلة لتحقيق هذا الحلم، يجب على الشعب أن يكون واعياً يقظاً متحذراً من الانجرار والاستدراج. سوف يتم نصب الأفخاخ وإخراج السيناريوات وحياكة المؤامرات. فقد دخلت هذه السلطة في معركة وجودية واقتربت صلاحيتها من الانتهاء وهي مستعدة أن تفتعل المستحيل للنجاة. حمى الله لبنان.

العلامات الدالة

مواضيع ذات صلة

4/11/2019 10:30:00 AM
2/28/2019 12:18:00 PM

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
السجال الذي أعقب المكالمة أعاد طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية، وبالعلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبحدود استقلالية القرار الإسرائيلي.
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.