السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

مدرسة ماكرون ومدرسة هند أبي اللمع وابرهيم مرعشلي!

سركيس نعوم
سركيس نعوم
Bookmark
مدرسة ماكرون ومدرسة هند أبي اللمع وابرهيم مرعشلي!
مدرسة ماكرون ومدرسة هند أبي اللمع وابرهيم مرعشلي!
A+ A-

أبدأ "الموقف هذا النهار" اليوم بتذكير اللبنانيين ببرنامج تلفزيوني فكاهي بثّه تلفزيون لبنان في أواخر الثمانينات أضحك الناس كثيراً. لم أعد أذكر اسمه لكنه يتحدث عن مدرسة ليلية لكبار في السن كما لأصحاب أعمار متوسطة لم تسمح لهم ظروفهم المتنوّعة أيام الشباب بدخول المدارس ثم الجامعات. أخرج هذا البرنامج الراحل أنطوان ريمي ومثّل فيه دورين رئيسيين زوجته الراحلة الممثلة "المهضومة" والقديرة هند أبي اللمع والممثل اللبناني النشيط والظريف ابرهيم مرعشلي. المضحك في حلقاته كان ما يجري داخل الصفوف من أسئلة جدية وسهلة وأجوبة طريفة ومضحكة لكن ليس فيها شيئاً من الصحة. لماذا أفعل ذلك؟ لأن رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون زار لبنان لساعات عاين فيها مرفأ بيروت المدمر على يد "مجهول" رغم أن كلاً من الشعوب اللبنانية وقادتها يعتقد أنه معروف. لكن لكل واحد من هؤلاء مجرم يختلف عن مجرمي الآخرين، أنتجته عقلية الصراعات والعداوات والحروب. في النهاية لا بد أن يكون لواحد من هؤلاء أو لبضعة منهم دور أساسي في التقرير أو التخطيط أو التنفيذ سواءً بتنسيق أو من دونه.

ولأن ماكرون بدا مديراً أجنبياً لمجموعة مدارس تجمعها الهوية اللبنانية وتفرّقها الطوائف والمذاهب والسياسات والولاءات المتناقضة مضافاً إليها الولاءات للخارجيْن الإقليمي والدولي المتناقضيْن بدورهما. المدرسة الأولى تلامذتها رؤساء "الدول الثلاث". والمدرسة الثانية تلامذتها قادة الأحزاب والتيارات السياسية وورثة بعضهم وإن على حياته المختلفون على كل شيء في البلاد والمتقاتلون عبر "شعوبهم الغفورة" إرضاءً لأسيادهم في المنطقة العربية والإسلامية كما في العالمين الغربي والشرقي، والحاملون مشروعات حالية مستقبلية للبنان الوطن والدولة مختلفة بل متناقضة، والمتعاونون في الوقت نفسه للحفاظ على مواقعهم ومكاسبهم بل على شراكتهم الرسمية وغير الرسمية التي لا وجود لمصلحة الوطن والشعب في أنظمتها الداخلية. وقد التقاهم ماكرون في قصر الصنوبر الذي منه أعلنت بلاده قيام لبنان الكبير على طاولة مستديرة، ولم يتغيّب عن حصة الدرس أيّ واحد من هؤلاء. والملفت في المدرسة الأولى أو بالأحرى في الحصة الدراسية التي كان أستاذها رئيس فرنسا أن شيئاً لم يصدر عن تلامذتها الثلاثة لا تعليقاً ولا بتسريب معلومات الى الاعلام عن الذي قاله "الأستاذ" أو طرحه وعن رأيهم فيه وموقفهم منه. إذ اعتصموا بالصمت ربما لعدم استحسانهم ما طرحه ولا سيما أنهم رغم اختلافهم الطائفي والمذهبي ينتمون الى فريق سياسي واحد.

والملفت في المدرسة الثانية أن تلامذتها المختلفي والمتناقضي السياسات والاتجاهات والمتقاسمين شعوب لبنان ومناطقه رغم تفاوت القوة والسيطرة والنفوذ عليها وعلى الدولة بينهم، الملفت أنهم استمعوا جيداً ولا أحد يشك في أنهم لم يفهموا رسالة ماكرون الموحّدة للجميع. ولم يسرّب أحد عمداً كما لم يتسرّب كالعادة أي شيء عن الطروحات ولا عن ردود الفعل عليها كما أنهم اعتصموا بالصمت بعد انتهاء الاجتماع. لكن هناك أمراً ملفتاً آخر هو أن لقاء ماكرون "الشعب" في مار مخايل والجميزة بعد تفقّده مرفأ بيروت الذي كان أساساً في نهضة لبنان منذ إعلانه "كبيراً" وحتى منذ كان تحت سيطرة بني عثمان، لم يكن لقاءً خالياً من النقاش والتفاعل. فهذا "الشعب" عبّر عن مطالبه التي يعتبرها محقّة وشرح الأوضاع المذرية في البلاد وطالب رئيس فرنسا بمساعدته على إنجاز التغيير الى الأفضل. والملفت أيضاً في هذا اللقاء هو أن ماكرون تعمّد الإفصاح فيه عن مواقف بلاده من قضية لبنان ومآسيه قبل إلقائه "درسه" في المدرسة الأولى على الرؤساء الثلاثة. كأنه أراد بذلك رسم حدود بين ما تطلبه دول لبنان الثلاث لإخراج لبنان من المهوار – الانهيار الذي وقع فيه وتأذى كثيراً منه لكنه لم يدمّر كلياً وبين ما تستطيع فرنسا تقديمه انطلاقاً من معلوماتها عن الأوضاع فيه ومعرفتها بالأسباب الحقيقية لفشل هذا اللبنان ودولته رغم مرور مئة سنة على اعلانه و77 سنة على استقلال دولته كما لفشل الدول الكبرى في العالم ودول المنطقة بوضعه على طريق العافية رغم تدخلاتها لإصلاح البين بين شعوبه بعد حروبها المتكرّرة. علماً أنها أي فرنسا تعرف مداخلات هذه الدول التي أذكت انقساماته حفاظاً على مصالحها. وعلماً أنها ما كانت لتفعل ذلك أو تنجح فيه لو كان اللبنانيون شعباً واحداً فعلاً أو بالأحرى لو تصرفوا كشعب واحد، ولو أسسوا دولة جديّة لا مكان فيها للمكونات الطائفية والمذهبية بل للمواطنية ولا لدول المنطقة المختلفة تاريخياً على كل شيء.

والملفت في لقاء المدرسة الثانية تكرار ماكرون اقتراحاته التغييرية أمام أصحاب القرار الفعليين في كل منطقة وطائفة ومذهب، كما أصحاب السلطة الواقعية على الجميع. طبعاً لم يغب عن بال ماكرون أن "شعب" الجميزة ومار مخايل ورغم طروحاته "الإصلاحية والثورية" أحياناً لا يمثّل شعوب لبنان كلها. لكنه استخدم ذلك لإقناع غالبية اللبنانيين التي يوحّدها الفقر والجوع والخوف والظلم والولاء الطائفي والمذهبي وأحياناً المناطقي بأن خلاصهم ممكن إذا تمعّنوا في اقتراحاته ودرسوها بعمق. واستخدمها أيضاً لدعوة الناس والشعوب وقادتها وحكّام الدول الثلاثة أن لا ينتظروا من فرنسا أكثر من المساعدة بتوفير الغذاء والأدوية والمحروقات وطبعاً للمدارس الفرانكفونية، وأن لا ينتظروا تسليمهم إياها رغم أنهم "يفرفكون" أيديهم ترحيباً بربح غير مشروع مرتقب طالما حصلوا عليه بسبب الفساد المتأصّل فيهم والمتوارث... من هنا كان تأكيده أن "عصر الشيك على بياض" لدولة لبنان انتهى ليس فقط في فرنسا بل أيضاً في المجتمع الدولي كله ومنه الأشقاء العرب للبنان. وقد يكون أكثر ما لفت ماكرون في زيارته القصيرة لبيروت وحتى في أثناء متابعته أوضاع لبنان بدقّة قبل حصولها بأشهر طويلة هو بلادة الدولة ومؤسساتها وسياسييها وحكّامها وإهمالهم الذي يعاقب عليه القانون. وجريمة تفجير مرفأ بيروت بل مدينتها بواسطته هي الدليل الأحدث والأوضح على هذين الإهمال والبلادة. وبلادٌ هذه بعض صفات حكّامها وسياسييها لن يتوقّف انهيارها ما لم تعلّق المشانق فيها وتبدأ المحاسبة الفعلية.

هل يفعل كلام ماكرون فعله فيعود الى لبنان في أيلول المقبل احتفالاً بمئوية لبنان الكبير ويجد أن شعوبه وقادتها بدأوا مع الأجيال الجديدة مسيرة الإصلاح وبناء الدولة الفعلية؟ لا يريد "الموقف هذا النهار" تيئيس الناس فالوقت قصير أولاً وقرار القادة الأكثر تمثيلاً للشعوب ليس في أيديهم ثانياً والتناقضات بين الطوائف والمذاهب عميقة الجذور لأن عمرها قرونٌ من الزمن ثالثاً. لكن ما طرحه أمس عن عقد سياسي جديد وربما نظامٍ سياسيٍ جديد يبدو مفيداً لأن اللبنانيين صاروا أقرب الى الاقتناع بالفكرة. لكن تنفيذها يحتاج الى قرار داخلي والى قوة خارجية لترجمة الاقتناع وللمشاركة عملياً في تأسيس النظام الجديد. ذلك أن فكرة سيطرة الطوائف الأكبر والأقوى على البلاد لا تزال تدغدغ من يمتلك السلاح ومن يمتلك الإمداد المذهبي إقليمياً. وفي أي حال لا نستطيع إلا شكر ماكرون على مبادرته وعلى تمسّكه بأن القرار في كل ما طرحه يجب أن يكون لبنانياً، وبأن بلاده ترفض عودة انتدابها على لبنان التي طرحها البعض من أفراد الشعب. كما لا نستطيع إلا الانتظار.

[email protected]