03-08-2020 | 17:00

"بين الحنين وصادق القول... كان أبي" لمحمد يوسف الحجيري: لقاء يُلغي المسافات

"بين الحنين وصادق القول... كان أبي" لمحمد يوسف الحجيري: لقاء يُلغي المسافات
Smaller Bigger

لا تنفكّ "مؤسّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافيّة" تُطالعنا بالعديد من الإصدارات القيّمة ضمن منشوراتها الثّقافيّة المتنوّعة، مُغنية مكتبتنا العربية بالعطاءات الفكريّة الممتعة والمفيدة، ولا أغالي إن قلت، إنَّ ما قرأته من سيرة عالِم الرياضيّات محمّد يوسف الحجيري، في كتابه "بين الحنين وصادق القول... كان أبي"، هو من الكتب التي يبقى أثرها في النّفس لِما تنقله من واقع شعبٍ منسيّ مهمَلٍ في بقعة من بقاع هذا الوطن، وفي مرحلة تاريخيّة كانت تُعتبَر الأكثر ضيقًا اقتصاديًّا، ولكنّها كانت الأكثر تآخيًا وألفة ما بين الناس؛ يزيدُ الكتابَ تأثيرًا في النفس، الشفافيةُ والصِّدقُ في سَرْد محمّد يوسف الحجيري، هذا اللبنانيّ الذي عاش الغربة ووجعها بحثًا عن الرزق، وعاد محمَّلا بالأمل برفع مستوى الإنسان، داعيًا لإنشاء مدارس متخصّصة للمتفوّقين، الذين يشكّلون ثروة حقيقيّة، في وطن يزخر بهم، ولكنّه لا يُجيد الحفاظ عليهم!

الجدير بالذكر أنّ "مؤسّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافيّة"، التي أصدرت الكتاب، تأسّست بسعي من حفيد شاعر الفيحاء، الحقوقيّ سابا قيصر زريق، بتاريخ 7 حزيران سنة 2013 (بيان علم وخبر رقم 1033)، وذلك تخليدًا لذكرى جدّه الشاعر؛ وورد ضمن أهدافها: "تشجيع الكتّاب من شعراء وباحثين وأدباء على نشر نتاجهم"، وهي لا تزال أمينة على رسالتها ومستمرّة في نشر القيّم من الكتب، علمًا أنّ كِتاب الحجيري المذكور هو السّادس والأربعين ضمن مجموع منشورات المؤسّسة العديدة، والتي تتصدّرُها مجموعة الآثار الكاملة لشاعر الفيحاء سابا زريق.

قدّم للكتاب رئيس المؤسّسة الحقوقي سابا قيصر زريق، فتناول سيرة محمّد يوسف الحجيري عالِم الرياضيّات، الإنسان، المساعد للغير، النابذ للطائفيّة، المتواضع مع أدب وعزّة نفس، العصاميّ، العالم والفيلسوف.

"قداسة حرف الضاد كامنةٌ في أعماق وجدانك"

في افتتاحيّته، توقّف الكاتبُ - العالِم عند "سحر لُغتَي الرياضيّات والضاد"، مشيرًا إلى ما كان يعتريه من شعور بـ"الخجل وعقدة الذنب، وذلك (وفق تعبيره) لهشاشة إلمامي بلُغتي الأمّ، نحوًا، وصرفًا وقواعدَ..." (ص 24-25). يفاجئنا في المقابل، عمق إلمام أبيه باللّغة العربيّة، وحكمتُه، وذلك حين يجيب على رسالة ابنه الذي يشكو من قلّة معرفته باللغة الأمّ، فيشجّعه ويوجّهه قائلا: "لا تحزن... فقداسة حرف الضاد كامنةٌ في أعماق وجدانك يا بنيّ... وعليك أن تعلمَ يا بنيّ أنّ العبرة في الكتابة ليست في معرفة شوارد اللغة ومنعطفاتها... العبرةُ... هي في عاطفةٍ غامضةٍ تخرج من أعماق الوجدان فينا، لترتديَ أحرفُ الأبجديّة ثوبًا، يحملُها إلى القارئين والمستمعين كائنًا غامضًا بلا روح، ولكنّه يُتقن جيّدًا لغة الروح". (ص 25)

كما تَوجّه الحجيري، في بداية كتابه، بالشكر إلى كلّ من كان له فضل عليه، بدءًا من مؤسّسة شاعر الفيحاء، وصولا "إلى ذكرى من كان يكفكف دموع إحباطي وألمي، إلى ذكرى قدّيسَيْن من الماضي الغابر يفتقدهما على الدّوام فؤادي وعيناي... إلى أمّي وأبي اللذين... أفلحا قبل الرحيل، بأن زرعا في قلبي ذكرى إنسانيّتي، وبأن أوقدا في عقلي شعلة عشقي الحرف والعدد والشكل الهندسيّ، ومَعين نجاحاتي في تقصّي نواميس الوجود، وبأن منحاني من الشجاعة والإقدام ما يكفي لمواجهة جبروت الدّهر..." (ص 27-28).

ولشدّ ما يؤثّر فينا سرد الحجيري للرؤيا التي حصلت معه، وهو في ضيافة صديقَيْن له في منزلهما في ريف موسكو؛ هو الذي كان يستخفّ بـ"مزاعم" الطالب الهندي "فيدجاي" الذي "يؤمن بتوارد الأفكار"، والذي ادّعى قائلا: "إنّه على تواصل شبه دائم مع والده المريض" (ص 43)، يخبرنا كيف شاهد هو أيضًا، وليومين متتاليين، من غابة ريف موسكو، في "ما يشبه أحلام اليقظة"، والدَه في طرابلس- شمال لبنان، قبل موته بيومين، "يستفيق في فراشه من نومه العميق" ليسأل والدته: "ما هو هذا اليوم؟" ثم يبادره بالقول: "سأمرّ عليك يا بنيّ قبل الرحيل..."! (ص 47-48).

ويتابع سردَ هذا اللقاء مع روح والده، فيصفه وصفًا بديعًا، كأنّه ملاك أو قدّيس: "فتيًّا تشعّ ملامحه شبابًا ونضارة... مرتديًا بزّة أنيقة ناصعة البياض"، فحدّثَه وطمأنَه، وشعر أنّه في عالم لا يشبه عالمنا، "وكأنّما هو كون لا وجود فيه لجبروت الدّهر ولا لقيود الأمكنة والأزمنة..." (ص 53).

"إياك أن تكفرَ يومًا بإنسانيّة الإنسان"

في مقاطعه الوجدانية – كما أسماها - نلمس ما تمتاز به روح الحجيري من حنوّ ورقّة ووفاء، بالأخصّ لروح أبيه التي تهيمن على الكتاب ككلّ... كما نلاحظ ما ينتاب روحه هو من تساؤلات حيال الوجود، فيترجمها في عرضه لموضوع "الرحيل ونواميس التواصل الروحيّ المجهولة" (ص 37)، أو ضمن تأمّلاته في "ضوء القمر يحنّ ويبكي ويبحث عن صديقه في الزّمان والمكان" (ص 57)؛ كما من خلال ما يسرده لنا من أخبار لأحداث عايشها وحفرت ذكراها في قلبه، منها المُفعَم بالحنين ومنها المُغرِق في الحزن.

أكثر ما يستوقفنا في هذه "المقاطع الوجدانيّة"، هو التوجّه الأخلاقيّ الذي لا يتّخذ منحى الوعظ، وإنّما تعبق به الأحاديث المرويّة، والتي تشكّل مختصرًا لسيرة الكاتب وأهله؛ وتنقل لنا صورة عن زمن مضى وانقضى، ولكنّ أثرَه ما زال ظاهرًا جليًّا في فكر الحجيري وروحِه، ولا عجب، فقد حمّله يوسف البيضاء -المعروف أيضًا بالنبيّ يوسف- والدُه الأبيض السيرة الطيّب الذّكر، وصيّةً ثمينة، قال: "إياك أن تكفرَ يومًا بإنسانيّة الإنسان" (ص 31-32).

كما يلفتنا اهتمام والده بالعلم، وسعيه الدؤوب، بالرغم من المشقّات، لتأمين ما يكفي لتعليم ولده، وقد عرف أهميّةَ العلم ودورَه في حياة الإنسان، مُحيلا كلَّ شؤون الحياة وكيفيّةَ تدبيرها إلى العقل والمنطق، فهو، كما تُظهر لنا أخبارُه عن والده، باحثٌ دائمٌ عن المعرفة، سعى إلى العلم من دون معلّم، فاشترى "كتابَيْن في الرياضيّات، وجدهما في شبابه صدفة معروضَيْن للبيع في سوق شعبيّ من أسواق مدينة حمص القديمة" (ص 123)، تعرّف من خلالهما إلى علم المنطق، ونقلَهُ إلى ابنه، فنشّأه على التحليل والنظر إلى الأمور بعين العقل.

وقد نجح الطفل محمّد في أوّل انطلاقة له في المجتمع حين قام، وهو لمّا يزل تلميذًا في العاشرة من عمره، ببيع كتبه القديمة وشراء أخرى جديدة، وكسب مئة ليرة فوقها، بعدما أدهش الشاري بعلمه وذكائه ومنطقه في تحليل الأمور (ص 109-110)، هذه الميزات التي سترافقه طوال مسيرته.

"ربّما اختلفتِ الأديان ولكنّ الخالقَ واحد"

كان محمّد الحجيري الطفل صاحبَ فكر متّقد، أخذ عن والده كلّ ما امتاز به من وعي وموضوعيّة وحبٍّ للمعرفة، تُضاف إليها رفعةٌ في الأخلاق، وإيمانٌ بالله الواحد، وانفتاحٌ على كلّ الديانات السماويّة؛ فلنسمعه يخبرنا عن ردّ والده عندما سألتِ المعلّمة إن كان يسمح له بمرافقة زملائه إلى الكنيسة، حيث يقول: "تذكّرت القول الذي لقّنني إيّاه أبي...: "الكنيسة والجامع هما من بيوت الله، ولا يجوز لمؤمن أن يمنعَ ابنَه من الذهاب إلى بيت الله. ربّما اختلفتِ الأديان ولكنّ الخالقَ واحد"." (ص 107)

يتّضح لنا من خلال السّرد، أنّ والدَ الحجيري كان معلِّمَه الأول الذي كرّس له كلّ ما يختزنه من معارف، فلقّنه إيّاها مخصّصًا ساعتين من الوقت يوميًّا لتلقيمه العلم، وتوضيح المسائل الحسابيّة وكيفيّة استخدام الأرقام، من جدول الضرب إلى وحدة قياس المساحة، إلى "القسمة، وحساب الكسور، وصولًا إلى الجذور التربيعيّة للأعداد، وطُرُقِ احتسابها..." (ص 128).

"إلى أميرة المدائن... ابنة اليمّ الأكرم"

ولطرابلسَ الفيحاء حصّة في كتاب الحجيري الذي أهداه "إلى أميرة المدائن"، حبيبته، "ابنة اليمّ الأكرم، طرابلس الفيحاء، وإلى أهلها...". وكان قد أمضى فيها أسبوعًا كاملا إثر نجاحه في البكالوريا الرسميّة، فيخبرنا عن زيارته: "تجوّلتُ، في شوارعها، وأزقّتِها، وقلعتِها، وأسواقِها، وزرتُ مساجدَها وكنائسَها بلا ملل، وبلهفة، وانتشيتُ بأريج بساتينِها وبعبقِ أحداثِ التاريخ فيها..." (ص 189). هي طرابلس المجبولةُ بفيضٍ من أضواء الأنجم، التي احتضنته بعد غيابٍ وأنسته غربتَه (ص 173-174).

"فرخ البط" - كما قال عنه "تاجر الخردة، بائع كتب الأدب الشّعبي، المرحوم حمد أبو قاسم العرسالي" ص 157-، محمّد يوسف الحجيري ابن عرسال، المولع بالكتب وقراءتها، كأبيه، يأسرنا بسرده، كما تُدهشنا ذاكرتُه المتوقّدة وهو يعيد علينا تفاصيل العمليّات الحسابيّة التي طلب منه والده العمل عليها وحلَّها، مستندًا إلى البرهان والمنطق. نتساءل إن كان في عالمنا بعدُ من يعيش سحر الكلمة هذا، فيشدّه الكتاب كالمغناطيس، ويسخّر له كلَّ ما ملكت يدُه ويدُ والدِه من مال!

يخبرنا الحجيري، التلميذ المتفوّق والمتواضع في آن، كيف يغفل - إذ يعتبر قصّةَ نجاحه أمرًا بديهيًّا - عن إعلام والدَيْه بنجاحه في امتحانات البكالوريا الرسميّة، فتُظلم الدُّنيا في عينيّ أبيه الذي يظنّ أنّ سبب صمته يعود لرسوبه. وحين يعلم والداه بنجاحه، يستغرب كلَّ هذا الفرح الذي يعتريهما... وبين انشغاله بتصوير ما جلباه من الدّكان من مشروبات وفواكه احتفالا بنجاحه، وبين وصفه لأمّه وهي تُخرج من كيسها القماشيّ المعلّق في عنقها تحت الثياب - والذي كان يسمّيه سرًّا "مصرف العائلة المركزي" - "قرطَيْها الذهبيَّيْن، المسكوبَيْن من رُبعَي ليرة ذهبيّة رشاديّة"، هديّة بمناسبة نجاحه (ص 179)؛ بين الجِدّ والمزاح، تختلط ابتسامتُنا بدمعة تأثُّر نعجز عن لجمها، وهي تنهمر احتفاء بهذه العائلة المبارَكة التي كرّست كلَّ مجهودها لتعليم ابنها، فأوفاها بنجاحِه وتفوّقِه، حقَّها من الإكرام.

"معركة الفجر الجديد، في مواجهته سواد الظلمة"

"بين الحنين وصادق القول.. كان أبي"، كتابٌ يختصر مسيرةَ محمّد يوسف الحجيري ومعاناتَه الطفوليّة، ونضالَ أهلِه وسعيَهم الدؤوب لتعليمه وتأمين حياة كريمة له. كما ينقل لنا صورة واضحةَ المعالم عن خُلقه الكريم وعِلْمه الواسع، وانتصارِ الخير فيه على شرور الأرض وظلمتها. فلنسمعه كيف يُنهي معركته مع الحياة، حيث يقول في ختام الكتاب: "أصبح جليًّا لي أنّ معركة الفجر الجديد، في مواجهته سواد الظلمة قد حُسمت. فها هي أسهم الضوء الهجوميّة التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تنبعث من أقصى الشرق شُهُبًا رحمانيّة، تنهمر على الدنيا سيولا من أنوارٍ مبهرة، تسحقُ كتلَ الظلمةِ الشيطانيّة، تبدّد جزيئاتِها، تمحو آثارَها السوداء، وتحرّرُ الأفقَ البديعَ الفاصلَ ما بين لجّة البحر وقبّة السماء"... (ص 266)

ختامًا، تحيّة تقدير لـ"مؤسّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافيّة" التي عرّفتنا بسيرة عظيم من بلادنا، مؤكّدةً لنا أنّ الخيرَ في الأرض لم ينتهِ، وهو باقٍ في الناس طالما في الأرض نفْسٌ تحبُّ الخير وتعيشه، كما عاشه محمّد يوسف الحجيري وأسرتُه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
اقتصاد وأعمال 5/5/2026 9:43:00 AM
تشهد أسعار البنزين في لبنان ارتفاعاً مستمراً، مما يثير القلق حول تأثير ذلك على تكاليف المعيشة.
لبنان 5/5/2026 11:28:00 AM
تسري هذه التعديلات اعتباراً من1\5\2026 في خطوةٍ تندرج ضمن خطة أوسع لتحديث نظام الضمان وتعزيز دوره الاجتماعي
لبنان 5/5/2026 6:00:00 PM
هل يكون الحكم الذي قد يصدر الأربعاء نهاية لملف طال انتظاره، أم بداية لمرحلة جديدة من الجدل؟ ماذا يقول الوكيل القانوني للفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير محمد صبلوح لـ”النهار” قبل أقل من 24 ساعة من هذا الحكم؟