السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 30 °

"اتّفاق الأسد والتنّين"... هل يريح السعوديّة؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
"اتّفاق الأسد والتنّين"... هل يريح السعوديّة؟
"اتّفاق الأسد والتنّين"... هل يريح السعوديّة؟
A+ A-

بالمقابل، ستؤمّن إيران إمدادات نفطيّة للصين بسعر "مخفّض جدّاً" على مدى 25 عاماً. وتضمّن الاتّفاق تعزيز التعاون العسكريّ مع "تدريب ومناورات مشتركة" و"تطوير مشترك للأبحاث والأسلحة" إضافة إلى تقاسم المعلومات الاستخباريّة. ومن بين ما تشمله المسوّدة التزام الصين ببناء شبكة اتّصالات الجيل الخامس في إيران.

ترامب في الزاوية؟\r\n

وجدت الصحيفة هذا الاتّفاق "مقوّضاً لجهود إدارة ترامب في عزل الحكومة الإيرانيّة بسبب طموحاتها العسكريّة والنوويّة"، كما "يمثّل ضربة بارزة لسياسة إدارة ترامب العدوانيّة ضدّ إيران." ورأت أنّ الولايات المتّحدة تعاني من الركود ومن "عزلة دوليّة متزايدة"، بينما تشعر الصين "بالضعف الأميركيّ" وبأنّها "في موقع يمكّنها من تحدّي الولايات المتّحدة". 

انتقد البعض "نيويورك تايمس" بسبب "لَيّها جميع أحداث العالم كي تناسب هَوَسَها الخاص" بمواجهة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. ويصبح هذا الانتقاد مشروعاً خصوصاً أنّ الصحيفة اعترفت بالتوصّل إلى اتّفاق عام حول هذه الشراكة سنة 2016، حين زار الرئيس الصينيّ شي جينبينغ إيران بعد التوقيع على الاتّفاق النوويّ، أي في عهد باراك أوباما. غير أنّ الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني وافق على المسوّدة منذ بضعة أسابيع فقط. \r\n

ليس هذا الاتّفاق بحكم المُنجَز، إذ كانت الصين أكثر تكتّماً بشأنه، فيما ساد لغط حوله داخل إيران. ويرى البعض أنّ هذه المسوّدة عبارة عن "تفكير رغبويّ" أرسلته طهران إلى بيجينغ على أمل إقناعها بالانضمام إليه. وكتبت الصحيفة أنّ المسوّدة تحظى بموافقة المرشد الأعلى علي خامنئي وستُقدَّم إلى مجلس الشورى لنيل موافقته أيضاً.

"كلّ الطرق مقفلة أمام إيران"

مع أخذ فرضيّة نجاح الطرفين في التوقيع على هذه المسوّدة بالاعتبار، يُظهِر تباطؤ إيران في الموافقة عليها عدم حماسها الكبير لها. فقد حذّر النقّاد، وفقاً للصحيفة عينها، من "بيع" البلاد سرّاً إلى الصين، بينما قال الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الشهر الماضي إنّ الشعب الإيرانيّ لن يقبل بما سمّاه "الاتّفاق السرّيّ المشبوه". ويثير السماح للصين بالاستثمار في موانئ من بينها ميناآن إيرانيّان مطلّان على بحر عمان مخاوف من سيطرة الصين عليهما في حال عدم قدرة إيران على إيفاء الدين. \r\n

لكنّ وزير الخارجيّة محمّد جواد ظريف أعلن أنْ لا شيء سرّيّاً في الاتّفاق قائلاً خلال جلسة استماع أمام مجلس الشورى "إنّنا نتفاوض على اتّفاق استراتيجيّ لمدة 25 عاماً مع الصين، بثقة وقناعة." وأشار إلى أنّه سيتمّ إطلاع الأمّة على تفاصيل الاتّفاق عند إنجازه.\r\n

ومن التعليقات التي تظهر أنّ الاتّفاق قد يكون أقرب إلى "أهون الشرور"، ما قاله الديبلوماسيّ السابق والكاتب السياسيّ الإيرانيّ فيريدون مجلسي: "كلّ طريق مقفل أمام إيران. المسار المفتوح الوحيد هو الصين. مهما يكن، وحتى يتمّ رفع العقوبات، هذا الاتّفاق هو أفضل خيار". 

العناوين عاطفيّة

يعتقد الكاتب في الشؤون الإيرانيّة إسفانديار باتمانغليدج أنّ الصين وإيران ستوقّعان في نهاية المطاف على شكل من أشكال إطار العمل المفصّل والطويل المدى، لكن ليس لأنّ إيران هي مركز الطموحات الصينيّة بل لأنّ الصين هي مركز التنمية الاقتصاديّة لجميع الاقتصادات الناشئة. وأضاف أنّ أيّ اتّفاق ثنائيّ سيكون أضيق نطاقاً ممّا تظهره العناوين العاطفيّة، ويمكن موازنتُه عبر رفع العقوبات واستئناف الاستثمار الغربيّ في إيران.

أبدت حكومة روحاني تفضيلاً للاستثمارات الغربيّة على تلك الروسيّة والصينيّة قبيل التوقيع على الاتّفاق النوويّ. لكنّ تغيّر الإدارة في واشنطن قضى على تلك الآمال، ووضع إيران أمام خيار شبه وحيد للنجاة. وليس واضحاً مدى التزام الصين بالاستثمارات المذكورة في المسوّدة بالتزامن مع فرض واشنطن عقوباتها على المتعاملين مع إيران. فقد سبق لبيجينغ أن خفّضت تعاملها مع إيران خلال حملة العقوبات السابقة والحاليّة وحوّلت الكثير من الاستثمارات إلى دول أخرى في المنطقة، ومن بينها العراق والسعوديّة.\r\n

يمكن العثور على نقاط مشتركة عدّة بين الطرفين للتوصّل إلى اتّفاق مشابه، منها حاجة إيران إلى خطّ إنعاش اقتصاديّ وحاجة الصين إلى النفط الرخيص وتعزيز "مبادرة الطريق والحزام". وسيكون بإمكان إيران الادّعاء بأنّها "كسرت" العزلة الدوليّة، بينما باستطاعة الصين تعزيز حضورها مستقبلاً في دولة ذات قاعدة سكّانيّة شابّة مع وجود 60% من الإيرانيّين ممّن تقلّ أعمارهم عن ثلاثين عاماً. وعلى الرغم من أنّ الاستثمارات المقدّرة في المسوّدة تصل إلى 400 مليار دولار، يرى البعض في هذا الرقم مبالغة كبيرة.

من "لائحة أمنيات" إلى "الترحيب"\r\n

يقول الباحث في برنامج آسيا التابع ل "صندوق مارشال الألمانيّ للولايات المتّحدة" أندرو سمول إنّ هذا الاتّفاق المقترح "يبدو كلائحة أمنيات بجميع المشاريع التي يمكن تصوّرها، عوضاً عن أن يكون تقديراً واقعيّاً لكلّ ما أمكن الصين أن تفعله في أيّ مكان." وأوضح أنّ الصين "تواجه مشاكل في عدد لا يُحصى من المواقع عبر محاولتها القيام بمجموعات مشاريع على نطاق أصغر من هذا بكثير". علاوة على ذلك، لا يشكّل النفط الرخيص حلّاً لجميع المشاكل الصينيّة، إذ إنّ فنزويلا تعجز عن ضخّ كمّيات كافية من النفط لتغطية ديونها لصالح بيجينغ.\r\n

وصفت صحيفة "جَوان" الإيرانيّة المقرّبة من الحرس الثوريّ هذا الاتّفاق المقترح بأنّه "عقد بين الأسد والتنين". لكنّ الباحثة نيما خرّامي تحذّر في مجلّة "ذا ديبلومات" من أن يرتدّ هذا الاتّفاق سلباً على طهران خصوصاً في سياستها الخارجيّة. فالاعتماد الكبير لإيران على الصين، سيضع الأخيرة في موقع أفضل لتقييد سلوك طهران الإقليميّ نظراً لانفتاح بيجينغ على جميع الأطراف في المنطقة. وهذا سيشكّل "تطوّراً مرحّباً به" بالنسبة إلى خصوم إيران الإقليميّين ومن بينهم السعوديّة.\r\n

قدّمت خرّامي فرضيّة بارزة تستحقّ البحث. تتجنّب الصين في سياستها الخارجيّة الانحياز إلى محور على حساب آخر، كما تتجنّب التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول التي تنسج علاقات معها. لكن في حال تمّ التوصّل إلى اتّفاق ثنائيّ، هل سترى الصين أنّ صناعة إيران لقراراتها الخارجيّة جزء من المسألة السياديّة لطهران؟ أم أنّها قرارات الأخيرة في هذا النطاق ستؤثّر بشكل أو بآخر على مصالح الصين الإقليميّة؟ يصعب معرفة الجواب من اليوم. وهو لن يكون مبنيّاً على قاعدة "أبيض أو أسود". لكن في حال صحّ تحليل خرّامي ولو جزئيّاً، يمكن أن تكون الصين، وبشكل غير مقصود، قد ساعدت الولايات المتّحدة على تحقيق أحد أهدافها في المنطقة.

الكلمات الدالة