14-07-2020 | 01:07
أرشيف "النهار" - شارل حلو في النص كتلة أحداث... لا مجال إلا للثقة بالوطن وعدم اليأس
أرشيف "النهار" - شارل حلو في النص كتلة أحداث... لا مجال إلا للثقة بالوطن وعدم اليأس
Smaller Bigger

نستعيد في #أرشيف_النهار مقالا كتبه ميشال جحا بتاريخ 28 حزيران 1995، حمل عنوان "شارل حلو في النص كتلة أحداث لا مجال إلا للثقة بالوطن وعدم اليأس".

كتاب الرئيس شارل حلو "حياة في ذكريات" الصادر له حديثاً عن دار النهار للنشر في بيروت، كان قراءة له وعرض لمحتوياته في جزء اول وهنا جزء ثان اخير.

- 2 - في رئاسة الجمهورية في 18 آب 1964 انتخب شارل حلو رئيساً للجمهورية اللبنانية خلفاً للرئيس اللواء فؤاد شهاب بشبه اجماع "لم يفعل شيئاً، ولم يطلب شيئاً من احد" - هذا ما يقوله (ص164) بينما اليوم تقوم القيامة ولا تقعد حول "التمديد" و"التجديد" وتعديل الدستور وحول انتخابات رئاسة الجمهورية ومن سيكون الخلف، واخذ موافقة اي جهة وقبول اي فريق وتلقي الدعم من الخارج من القريب ومن البعيد. بدأ عهده بحضور مؤتمر القمة في الاسكندرية سنة 1964 وانتهى بحضوره مؤتمر القمة في القاهرة سنة 1970. كان عهد الرئيس شارل حلو استمراراً للشهابية او "للنهج" الشهابي. في المؤتمرات التي حضرها واللقاءات التي عقدها مع رؤساء وملوك ومسؤولين كبار كان محط احترام وتقدير لدى الجميع. اريد ان اقول كلمة: لا يمكن لبلد اجنبي، او لرئيس بلد اجنبي ان يحترم رئيس بلد او بلداً لا يكون اهلاً للاحترام ولا يحترم نفسه. لم يبرز الرئيس شارل حلو ويوفق في تمثيل لبنان وحمل رسالته في المؤتمرات واللقاءات التي جرت في الدول العربية وحسب، بل استطاع ان يثبت ذلك في العديد من المناسبات والزيارات له الى دول عدة.

ففي فرنسا زمن الجنرال ديغول الذي يصف مقدرته الخطابية (ص74 -75): "البلاغة وقوة السبك وسمو الايحاءات وسهولة الالقاء، لا تردد ولا ارتباك ولا اعادة ولا تكرار لأي عبارة، تساوق وتناغم في علامات الوقف والصمت، تواصل وحي كأنه منزل من فوق". ويوم شارك في احدى جلسات الاكاديمية الفرنسية وقدّم رأياً تبنته الاكاديمية دل على سعة علمه واطلاعه وتضلعه من اللغة الفرنسية. او محادثاته مع الرئيس ديغول وعلوّ كعبه في الادب والفكر والسياسة. فيقف رئيس لبنان البلد الصغير موقف الند للند مع العملاق شارل ديغول الذي زاد في عظمة فرنسا - فيزيد هو من مساحة بلده لبنان وعظمته، وهكذا يستطيع رئيس بلد صغير ان يكبّر بلده اذا كان رئيساً كبيراً.

يقال في الادب: "الاسلوب هو الرجل" وكذلك في السياسة لكل رئيس اسلوبه في عرض الامور او حلها. في الاصلاح الاداري او "التطهير" مشكلة الادارة في لبنان مشكلة مستعصية ذلك لأن الذين يتصدون لاصلاحها هم مفسدوها. وفساد الادارة - برغم كل محاولات الاصلاح - في تزايد؛ والعديد من العهود والحكومات امام هذه القضية المعقدة أقرّت بفشلها. والرئيس شارل حلو كان واحداً من الذين تصدوا لاصلاح الادارة وحول ذلك يقول (ص211): "الاصلاح كان محاولة لفرض مقاييس جديدة وقاسية على العلاقات بين الدولة والمواطن عبر الادارة، وهو ايضاً محاولة للقضاء على اي لون من الوان التساهل في تطبيق القوانين والانظمة. وهو عمل غايته الارتفاع بالدولة والادارة الى مستوى الدول والادارات في البلدان الراقية حيث لا مجال لرفع الكلفة و"الخوشبوشية" بين المسؤولين والمواطنين في الشؤون العامة".

هذا كلام صحيح. ولكن هل وفّق الرئيس شارل حلو في تحقيق الاصلاح الاداري؟ طبعاً لم يوفّق. والدليل اننا ما زلنا نشكو الفساد المستشري في الادارة، واكاد اقول اننا سنبقى نشكو ما دمنا نعالج الداء بالمسكنات. ويرى كذلك ان الفساد ليس محصوراً في الموظف بل انه في المواطن كذلك لأن المكلّف الذي يحاول ان يدفع دون ما يتوجب عليه للخزينة، والمتقاضي الذي يسعى الى استمالة القاضي، والتاجر الذي يتهرب من دفع الرسوم الجمركية، والسياسي الذي لا يتورع عن استغلال النفوذ، والمسؤول المتقاعس، كل هؤلاء يشكون الفساد وكأنهم براء منه. ويعترف صراحة بأن قانون الاصلاح الذي اعتمد في عهده كان جائراً ومثيراً للانتقادات لأنه حرم الموظف البريء المصروف من الخدمة من ان يلجأ الى القضاء للطعن في طرده من وظيفته. وفي ذلك يقول (ص216): "ان هذا المفهوم للاصلاح الذي جعل منه ادانة وتطهيراً كان ظالماً للقضاة وللموظفين المصروفين بما نسب اليهم من تهم دون ان يتاح لهم الدفاع عن انفسهم".

ثم يستدرك (ص218): "ومهما يكن من امر، فمن البداهة القول ان الاصلاح، ككل عمل بشريّ، لا يمكن ان يكون كاملاً وقد لا يخلو من بعض الاخطاء. اما الخطأ الفادح والذي يؤسف له فهو ان يفسّر البعض الاصلاح كأنه ادانة او تطهير وقت لم يسمح للمصروفين بأن يدحضوا ما وجه اليهم من انتقاد او اتهام. وقد يكون من حق كل من طاوله الاصلاح وحيل بينه وبين الدفاع عن نفسه ان يردد كلمة تيمو ستوكل: اضرب ولكن اسمح!". وهنا ليسمح لي الرئيس بأن أبوح بشيء منذ حوالى ربع قرن يوم دعا نادي ليونز الكورة الرئيس شارل حلو - وكانت رئاسته انتهت - لالقاء محاضرة في عشاء سنوي ضخم في فندق البريستول ويحضره عدد من الشخصيات الادبية والاجتماعية والسياسية. كان رئيس النادي يومذاك المرحوم الدكتور خليل سالم المدير العام لوزارة المال الذي قال لي ان الرئيس قبل ان يجيب عن بعض الاسئلة التي يطرحها عليه الحضور ولكن لا نريد اسئلة محرجة. جمعت اسئلة الجمهور و"دسست" سؤالاً عن موضوع الاصلاح الاداري يدور حول كيف يقبل، وهو المحامي اللامع، بأن لا يمنح الموظف المصروف من الخدمة حق اللجوء الى القضاء لاثبات براءته اذا كان بريئاً؟ فاجأه هذا السؤال ولكنه اجاب بجرأة قال: "اعترف لكم بأن هذا الموضوع يحزّ في قلبي، وانا نادم على هذه الخطوة التي جاءت ناقصة ولم تحقق ما كنا نهدف اليه". وها هو اليوم يقول ذلك صراحة في مذكراته. ان عملية الاصلاح الاداري مثل قصة ابريق الزيت، فلنفترض ان الموظفين من اداريين وقضاة وديبلوماسيين من الفاسدين والمرتشين والمتقاعسين والمهملين والمسيئين الى الوظيفة صرفوا من الخدمة، بحق وعدل وليس انتقاماً او تحاملاً، فمن يضمن ان الموظفين الذين سيحلّون محلهم سيكونون افضل منهم وتعيينهم يخضع "للواسطة" - بعد تعطيل دور مجلس الخدمة المدنية او تجاهله وتجاوزه في كثير من الاحيان وعدم الأخذ بآرائه - وهم مدعومون من مسؤولين في اعلى الهرم؟ خليل سالم لا بأس هنا ان اروي قصة الرئيس حلو والمرحوم الدكتور خليل سالم وكيف عُيّن مديراً عاماً لوزارة المال، كما رويت لي: طلب الرئيس من بعض الاساتذة والخبراء المتخصصين بالاقتصاد دراسة حول موضوع يهمه، ومن كل من قدّم دراسة حول هذا الموضوع ان يقدر عدد الساعات التي اقتضاها العمل على بحثه لاحتساب مكافأة له. خليل سالم وحده لم يطالب بمكافأة. سأل الرئيس حلو من هو هذا الرجل الذي يرفض ان يتقاضى تعويضاً من الدولة لعمل طلب منه بينما سواه راح يبالغ في عدد الساعات لينال مكافأة أكبر؟ شاء الرئيس اتصالاً بخليل سالم لأنه يريد التحدث والتعرف اليه.