.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عَطَفني إلى كتابة هذا المقال عاملان بارزان: الأصالة اللبنانية، والأدب الرصين.
بل الذكرى والوفاء. ونحن اليوم أحوج ما نكون إليهما في السياسة والقلم، لا سيما بعد طغيان الغوغاء، ونَهَم المصالح وتهافت القِيَم.
وُلد جميل جبر سنة 1923 في (بيت شباب)، القرية اللبنانية الأصيلة، المعلّقة في "المتن" بين بركات الأرض وابتهالات السماء.
كان لبنان الرسالة في صميمه، وأخلاق القلم في يمينه، ولم يتجرّد يوماً من عوام البيئة والوراثة والإبداع.
اجتمع قلم جميل جبر لونان من الحبر: حبر (أزرق)، يُسيلُه في البحوث والدراسات. تمازجه موضوعية العالم، ودقّة الناقد، وصدق الأمين. وحبرٌ (أخضر)، يُقطِّر منه فنّ التعبير الجميل، فتحملُ القطرةُ الواحدة سرّ العنقود كلّه.
أحلى مافي كتابات د. جميل جبر، أنّها مرآة نفسه، تعكس شخصيّته الأكاديميّة الطيّبة، بكل ما فيها من صدق ونبل، وثقافة وعلم، وأناةٍ واتّزان.
فإن أنت قرأته، رأيته، وإن تعمّقته، بلغت من سريرته الأغوار، كأنّما كُلُّ كلّه مجموع في سنّ قلمه. قرأتُ له، من سنوات بعيدة، بعض مقالاته في مجلّة (الحكمة)، ثم كتابه في "يوسف السودا" وطالعت كتاب "القلم الميزان الدافئ" الذي ألّفه الأب مارون الحايك. فأدهشني واقعيّة د. جبر، البعيدة عن المغالاة، ولفتتني مقدرته الفائقة على الإيجاز، (وقديماً قيل، البلاغةُ الإيجاز). كما راقني أسلوبه الهادئ، الشبيه بصمت التقديس، فلا تلقى فيه إنشاءً لفظيّاً ولا تزويقاً مُصطنعاً، بل أنك لتجد هناك أسلوباً أنيقاً، مسوقاً إلى الجوهر مُعبِّراً عن الفكرة، مُسدِّداً إلى الغاية، يربط المقدّمات بالنتائج، كأنّ كاتبه مُزوَّد (بروح الهندسة) كما يقول (باسكال).