كنا كتبنا سابقاً تحت عنوان:"المعاناة عند المعاينة الميكانيكية"، ولم يتحرّك أحد من المسؤولين لحل هذه المشكلة الدائمة: لا وزير الداخلية ولا رئيس الحكومة.. ولا... ولا! واليوم نعود للكتابة عن هذا الموضوع المؤلم طالبين من المذكورين – والحكومة أي حكومة، أن تعالج هذه المشكلة المستفحلة بالسرعة المطلوبة.
عندنا في محافظة الشمال أكثر من ثمانمئة ألف سيارة: بين خاصة وتاكسي وفان وأوتوبيس وشاحنة، تعاين جميعها في مركز واحد، يقع عند منطقة "الفوّار" بين مثلث الضنية – زغرتا – طرابلس، وفي هذا المركز ثلاثة مسارب للمعاينة. وعدد أيام السنة العملية لا يزيد على 280 يوماً... فيكون معدل وصول السيارات الى مركز المعاينة المذكور – نظرياً وحسابياً – 2500 سيارة في اليوم الواحد!
ورغم التقنية العالية الجودة، والأداء المتكامل: إدارة وتقنيين، فإنه من المستحيل أن تتم تلك المعاينة من دون أن ترى صفوف السيارات من مركز المعاينة الى مركز الريجي في القبة! ومن القاصدين للمعاينة من ينتظر أكثر من عشر ساعات... ومنهم من يعود أدراجه من دون ان يصل "الدور" اليه.
مع العلم ان هناك عدداً غير قليل من تلك السيارات يتخلف أصحابها عن اجراء المعاينة لأنهم من "المدعومين" وشذاذ الآفاق ومن الذين "مش فارقة معهم"!
فمتى يعي المسؤولون مدى معاناة الناس من اصحاب السيارات؟
كلامنا هذا يستند الى أرقام وليس الى أوهام أو مخاوف. عدد كبير جداً من السيارات على ثلاثة مسارب، عدا عن ان طريق القبة غير سالكة في معظم الأحيان، عندما تقوم الدنيا ولا تقعد، قنصاً وقذائف وتبادلاً كثيفاً لإطلاق النار، مما يستوجب اختيار طريق مجدليا من أبي سمراء أو من الكورة تجنباً لما لا تحمد عقباه.
وشكوانا، جميع أهل محافظة الشمال، ليس انتقاصاً من قدر المؤسسة الى تجري المعاينة. فكلما أسلفنا، انها - أي المؤسسة – تتمتع بالخبرة والمعدات الالكترونية الحديثة وطاقم من الفنيين والاداريين تحسد عليه. ولكن عندما بدأت المؤسسة أعمالها عام 2004 – أي قبل عشر سنين، وحصلت على تصنيف 150 وتخضع للرقابة (Audit)، لم يكن عدد السيارات في البلد بهذا الكم والحجم. ففي السنين العشر الاخيرة زادت أعداد السيارات بشكل لفت أنظار "الغيورين" لأخطار كثيرة منها التلوث البيئي الناجم عن عوادم السيارات، ومنها الطرق التي أنشأتها الحكومات المتتابعة ولم تلحظ مثل هذا الازدياد، حتى وصل الأمر الى القول ان شوارع لبنان صارت كاراج سيارات. ومن هذا الواقع المرير صار "ركن السيارة" ليلاً ونهاراً من الصعوبة بمكان، ولا سيما في المدن التي وافقت بلدياتها – بكل أسف ومرارة – على استبدال الموقف تحت المبنى (sous sol) بمواقف حول المبنى أو على أرصفته.
لذا فإنه من الضروري جداً إقامة مركزين إضافيين في محافظة الشمال، يكون الأول عند مدخل طرابلس الجنوبي والثاني عند مدخل طرابلس الشمالي، لتتوزع الأعمال بالدقة والتقنية ذاتها... فيشعر المواطنون بأن الدولة تهتم بقضاء حاجاتهم والمحافظة على أوقاتهم وكراماتهم، وتخفف من معاناتهم وبؤسهم!
ولا نغفل في مقامنا هذا أمر "الشبيحة" المنتشرين على طول خط الانتظار خارج المبنى – عند مركز المعاينة – والذين "يتسلبطون" على أصحاب السيارات الواقفة في انتظار دورها... فيدّعي هؤلاء "الشبيحة" أنهم يستطيعون تمرير السيارة قبل دورها بخمسة أو عشرة آلاف ليرة لبنانية... وكثيرون من الناس يقعون في فخهم، من دون نتيجة، بل نصب واحتيال.
قد يكون هذا الواقع المرير المؤلم المتحكم بكرامات الناس وبأوقاتهم موزعاً على جميع مراكز المعاينة الميكانيكية، وقد سمعنا وقرأنا عن أمور أكثر دراماتيكية... ولا من مسؤول حكومي أو أمني يسأل أو يحاسب أو يعالج! فما هي هذه الدولة التي تريد أن تزيد وارداتها من دون ان تسأل عن كرامة مواطنيها وعن وقتهم وعن اموالهم وعن طواعيتهم للقانون؟
* سفير سابق
نبض