.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
نستعيد في #أرشيف_النهار مقالا كتبه غسان تويني بتاريخ 12 شباط 1996، حمل عنوان "حكم الخوف من الخوف... تقهره ثورة الميثاق".
في باريس، تفكِّر بصفاء اكبر (هل قلناها قبلاً؟ نكرر...) ليس لك مثله في بيروت، وسط معمعة التنظيرات الرمضانية والمناظرات "المار - مارونية"! حتى القضايا اللبنانية، تراها من هنا أوضح... تراها في بُعدها الحضاري والثقافي بل التاريخي، غير مشبوهة ولا معجوقة بالاوزار الميليشيوية ولا مهندمة بالاتهامات وتبرير الاتهامات، فضلاً عن تفسير الجرائم وتغطية الفضائح و... و... تغطية العجز عن الحكم بالاسراف في الحديث عن اصلاحه واختراع، أو إيهام النفس والآخرين باختراع، مشاريع لاصلاح الحكم ينسخ واحدها الآخر في حلقات مفرغة لا نهاية لتفاهتها!
ماذا ترى للبنان من باريس؟ من باريس الاسرار ترى اولاً وقبل كل شيء وطناً مجلبباً بالخوف... بالخوف عليه، لا بالخوف منه... يا ليت! "يا ليت"، لأنه لو كان هذا الوطن لا يزال يخيف احداً، أيّ أحد، لكان ذلك دليل قوة، بل سلطة. والقوة، كالسلطة، كالسيادة، لم يعد يتمتع بها هذا الوطن. هو اذاً لا يخيف عسكرياً ولا امنياً (أين "ابو محجن" والتهديد باقتحام المخيمات؟ تبخّر الجاني، وتبخّرت العنتريات؟) كما لا يخيف ديبلوماسياً وسياسياً، ولا اقتصادياً بالطبع! من السلطة، على كل مستوى، لم تبق له الا ادوات السلطة ينفق عليها، وتتبرج في انتظار ساعة صفر لن تحل... في احسن الاحوال تناديها يساراً فتتحرك يميناً، وتحتاج اليها جنوباً فاذا بها تهرول شمالاً... آه، نسينا... هنالك التعمير. هذا وحده كان - كان، فقط! - يثير الاعجاب، انما هو ايضاً صار الخوف عليه متلازماً مع الخوف منه... لكن الخوف منه على الوطن، لا على الآخرين. والحكاية معروفة، تبدأ بشعار "انماء الحجر قبل البشر"، وتنتهي - مروراً بشروحات المديونية العامة وملاحمها و"المقامات" - تنتهي الى حكايات الاسترهان عبر الفضائح واسماء أهلها الحقيقيين واسماء ابناء الأهل الذين صارت الصحافة هنا (فكيف بمجامع الحكم والاقتصاد؟) تنشر اسماءهم والاعمار ودقائق "الالتزامات" وارقام الصفقات التي هي جزء لا يتجزأ من التسلط المعروف، اياه، على السيادة اللبنانية، والارض، وحتى على تعبيد الارض وتزفيتها وطمر الممنوع و"المسمّم" في بطونها بدل سرقة الحلال الذي كانت تكتنز!!! هذا اولاً. وليس حديثه نادراً، ولا الكتابة عنه نادرة، ولا هي تندّر مقاهٍ وصالونات. وقد "طقّ شلش الحياء" - يقولون - فلم يعد اصحاب الاسماء ولا آباؤهم يأبهون لنشرها...
في باب الخوف على لبنان، كذلك، الحديث الاخطر هو التساؤل عمَّن تُراه بعد، في العالم الخارجي، يقدر على انقاذ لبنان فلا "يروح فرق عملة" في صفقات السلام، اذا كان "القاضي راضي"... و"القاضي" هنا ليس فقط الحكم المستسلم (نعم، المستسلم، وهو راضٍ باستسلامه وفرحان...) انما القاضي الراضي الاهم هو شعب اليائسين، يكتفون بالصلاة حتى يرزقهم إلهٌ ما "المن والسلوى"، ومتى انتهت الصلاة فالوعظ، والوعظ، والوعظ، ثم فرفكة الايادي وكأنما ذلك تأكيد لعجزها عن الامساك بمفاتيح الامور وبدايات القدر! تريدون الحقيقة ايها السادة المسؤولون؟ الحقيقة على مرارتها، بل فظاعتها؟ فلتستخبر ديبلوماسيتنا - الناشطة في حقول الكلام الفارغ والصداقات الباذخة المسكينة، بدل الاستماع والاتعاظ والتواضع... فلتستخبر، مثلاً، عما قاله مسؤول اسرائيلي رفيع لأكثر من ديبلوماسي اوروبي واكثر من وزير كان يدافع عن ضرورة بقاء (مجرد "بقاء"!) لبنان... قال ان الحفاظ على "لبنان السيد المستقل" ليس مطلوباً من اسرائيل، بل المطلوب من الدول العريقة الصلة بلبنان او التي لها مصلحة في بقائه ان تلح على دول عربية قادرة (ولو غير معنية مباشرة بمفاوضات السلام الحاضرة) فتقنعها بالتدخل بكل وسائلها والوسائط مع المتفاوضين على السلام لتردعهم عن التضحية بلبنان وكأنه "عملة بديلة" ومجرد موضوع "صفقة"!!! مفهوم؟