وزيرا خارجية فرنسا وتركيا إلى بيروت

27-03-2014 | 13:19

حكاية الرحيل أو البقاء اللبنانية!

حكاية الرحيل أو البقاء اللبنانية!
حكاية الرحيل أو البقاء اللبنانية!
Smaller Bigger

ستّ سنوات بعد "تحت القصف" الذي صوَّر ما حلّ بلبنان إثر حرب تموز، يجيئنا المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي بفيلم جديد، "ميراث"، يصعب تصنيفه في أيّ من الأجناس السينمائية التقليدية. فكلما تقدم الفيلم الى الأمام ليبلغ الدقائق الـ98 في نهاية مشواره، أدركنا كمّ ان همّ تحديد الهوية يبقى بعيد جداً من هواجس مخرجه الذي يظفر هنا بحرية كاملة لوضع نبرة العمل واختيار أدوات تعبيره.


عرفنا عرقتنجي مخرجاً لعدد من الأفلام الوثائقية التي وقع معظمها في النسيان. وعرفناه ايضاً صاحب وصفة سينمائية تنصهر في الواقع وتستمد من المأساة اللبنانية شرعيتها. هنا، مزيج من الاثنين، من هذا وذاك. يحملنا المخرج الخمسيني الى عالم فانتازي يبحر على أمواج التاريخ والحكايات الشخصية والآمال الصامدة والخيبات والألم والذاكرة المغتالة. وسط هذا كله، سؤال يوصله الى أجوبته المحتملة: ما هذه الحتمية العجيبة التي تعيد اللبناني دائماً الى نقطة الانطلاق أو نقطة الصفر؟ حيناً تعيده الى الميناء التركي الذي منه هاجرت جدته الى لبنان. وحيناً الى البلد الذي ظل ملجأً له من القتل والدمار؟ ودائماً، الى الماضي المحمّل ذكريات بعيدة قريبة ليس من فكاك منها ما دام حيّاً؟
"ميراث"، نوع من باتشوورك يلتقي فيه العقلاني بالعاطفي، التقليعة التقنية بالوسائل البدائية، الأحياء بالأموات، الفرنسي بالعربي، كلّ هذا في سعي مستمر لمعرفة لماذا يكرر التاريخ نفسه، مفرزاً دائماً النتيجة نفسها: تشرد، ضياع، شقوق في الهوية. منذ البداية، يحذرنا صاحب "بوسطة": هناك العديد من القصص والذكريات في لبنان، هذا الفيلم يروي إحداها. هو، في رأينا، يروي معاناة الكثير من اللبنانيين الذين يعيشون حيرة البقاء أو الرحيل الأبدية التي تكاد تكون نصيباً جماعياً في بلد الهجرة المستمرة: إن رحل، فكيف يعيش هذا المرء بعيداً من بلده، بل من ذاته الاولى؟ وإن بقي، أيّ مستقبل لأولاده، وماذا لو عاشوا ما عاشه؟
تبدأ الحكاية مع مشهد إعادة تجسيد. أمام شاشة تمرّ عليها صور أرشيفية، يستعيد عرقتنجي فصولاً تاريخية متداخلة بين تركيا ولبنان وباقي المنطقة، قافزاً من حكم العثمانيين الى الفرنسيين عبوراً بالأمبراطورية النمسوية المجرية والصراع على المنطقة. آنذاك، عام 1913، هربت جدته وديعة في سفينة فرنسية عسكرية بعدما كاد يصدر في حقّ عائلتها حكم بالإعدام نتيجة تحمّسها المتزايد لوصول القوات الفرنسية المسلحة والترحيب العلني بها. منها، حفظ عرقتنجي هذه الجملة: "المنفى لا يكسرك، المنفى يهريك".
والد وديعة صعد على باخرة مماثلة عام 1860، لكن في الاتجاه المعاكس، من الشرق الى الغرب. وها ان عرقتنجي يواجه استحقاق الرحيل هو الآخر، غداة حرب تموز 2006. مع هذا الفرق بينه وبين أسلافه وهو انه ينظر الى الخلف ويسأل. "على السفنية أحسستُ بالغضب، يقول عرقتنجي، انه احساس مزعج أمام مشهد يتكرر"، هو الذي سافر عبر البحر الى قبرص 3 مرات وحاول 20 مرة الاستقرار في بلد غير لبنان. ثم عاد مجدداً. في طريقه الى باريس، رست العبّارة في ميناء مرسين، المكان الذي سافرت منه وديعة قبل 90 عاماً. كان هو يعيش هجرة، وزوجته تعود الى وطنها فرنسا.
يقفز عرقتنجي من دروسه في التاريخ الى احشاء العائلة: زوجته ديان، وأولاده الثلاثة، ماتيو، لوك وإيف. يشرح انه طول عمره كان مهووساً بالتصوير، ليعزز الحجّة السينمائية المتمثلة في تصوير أفراد العائلة وتوريطهم في ما كانوا بغنى عنه. عدسته تلتقطهم في كلّ الأمكنة التي شهدت على طفولتهم المتنقلة. يصوّب عرقتنجي الكاميرا في كل الاتجاهات ململماً كبوات الماضي ومعايناً القلق على الآتي، بل الخوف منه. التصوير عنده صمود على طريقته. تصوير متعدد الوظيفة: ليس فقط توثيقاً أو احتفاء، بل هو خوف. دائماً نراه يصوّر كمَن يطلق طلقة. كمَن لا يملك في جيبه سوى رصاصة واحدة. "كأن كلّ شيء يمكن أن ينتهي فجأة"، يقول المخرج الذي أميل الى الاعتقاد بأنه يعاني هنا من أزمة "منتصف عمر" سينمائية، تجعله مرهف الاحساس. يحمل الكاميرا ليس من دون أن يوفر لشخصه علاجاً نفسياً، يعبّر عنه بهذه الجملة الموحية: "أتسلى بتركيب الماضي، عندما لن يعود أحد يرغب في مشاهدة أفلامي. فكرتُ انه من الممكن ان يكون هذا مفيداً لأولادي. أن يروا أنفسهم وهم يكبرون. قلتُ لنفسي لربما تجنبوا العلاج النفسي. صورتُ كثيراً. صورتُ كلّ شي".
"ت ما يرجع ينعاد"، جملة نسمعها من عرقتنجي غير مرة. هو يشتكي من حال النكران التي نعيشها وكلّ ما حوله يدعوه الى النسيان. بيد ان السينما هي المكان المثالي للحداد وطمر الأحزان. عرقتنجي يعرف ذلك جيداً، فيمضي الى نبش الذاكرة المصوّرة والشفهية ويسأل ويفكر بصوت عال. يصوّر مياه البحر كثيراً. يذهب الى استشارة أمّه اندريه، ويزور قبر والده ارنست. يضعنا أمام فيلم جوارير افتراضية قبل ان يستقر على جارور واحد، حقيقي هذه المرة، ذاك الذي يفتحه أمام أولاده، ذاك الذي خبّأ فيه كلّ طفولته التي أمضاها يجمع الرصاص. مشهد أساسي يُرينا كمّ الفوارق بين جيل عاش الحرب وآخر سمع عنها أو هرب منها.
بنبرة رومنطيقية فيها بعض الأنين والركون الى المثاليات والايغو، يحكي المخرج عن زيارته الاولى لفرنسا ("مكان للاستشفاء")، في أواخر الحرب. حاول أن يتكيف معها، فلم يفلح. لكنه تزوج فيها ورزق بأطفال ونال الجنسية. وظلّ مسكوناً ببيروت وبذكرى صديقه الراحل سامي الذي يزور والديه في مشهد جميل، شبه صامت. السفر يعني الهرب. شعر نفسه خائناً. عاد ولم يعد. يقارن عرقتنجي الحائر في أمره، بين الصور والبلدان والأشياء والوجوه والمسارات المتنافرة. يريد شرحاً لكلّ شيء. حتى المصادفات، يريد عقلنتها. بين الأسود والأبيض والـ"سيبيا" والنسيج البصري العالي الجودة ولقطات الأرشيف القديمة، يشقّ طريقه الى الأسئلة الوجودية الشخصية وتلك التي تؤرق مجتمعاً برمته. ثقته بنفسه سينمائياً يقابلها ضعفه كأب يستمد أحياناً قوته من تردد أولاده في الإجابة عن أسئلته. وسط فوضى المشاعر والنيات الحسنة، يضل طريقه أحياناً، لكن لا بأس اذا ساعده هذا في العثور على علاجه.


(*) عُرض "ميراث" في مهرجان تسالونيك للفيلم الوثائقي (14 – 23 الجاري) وتفتتح عروضه بدءاً من اليوم في كلّ الصالات اللبنانية.


 


[[video source=youtube id=WSGpAqDP8Ik]]


 

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان