14-05-2020 | 20:59

١٠ أفلام أدهشتني في كانّ: "ذات زمن في الأناضول" لنوري بيلغي جيلان (١)

١٠ أفلام أدهشتني في كانّ: "ذات زمن في الأناضول" لنوري بيلغي جيلان  (١)
Smaller Bigger

في مناسبة الدورة الملغاة من مهرجان كانّ السينمائي (بسبب تفشّي وباء كورونا)، نجري "تغطية" تحيّة للمهرجان في عنوان "كانّ - دورة كورونا"، تتضمن حوارات ومقالات. أردناها فرصة للعودة في الزمن إلى الوراء، إلى بضع سنوات خلت، لنستعيد شيئاً ممّا نحب في هذا الحدث الكبير، من خلال الذين واكبوه على مدار سنوات. انها فرصة لنعود إلى كانّ، ولو عبر الذاكرة، لنكتب فيه ما لم نكتبه في الماضي، ما لم يسعفنا ضيق الوقت لكتابته. طوال ١٢ يوماً، أي حتى الـ ٢٣ من الجاري، سننشر سلسلة مقابلات مع صحافيين ونقّاد يروون تجربتهم في المهرجان. "دورة كورونا" هذه، إن صحّت تسميتها كذلك، هي مناسبة لنبش دفاتر كانّ، في انتظار طبعة ٢٠٢١. في الآتي، مقالة نقدية عن فيلم "ذات زمن في الأناضول" لنوري بيلغي جيلان تُنشَر في اطار "عشرة أفلام صنعت تجربتي في كانّ".

إلى البوادي ولياليها الحالكة ذهب نوري بيلغي جيلان لإنجاز "ذات زمن في الأناضول" الذي نال عنه الجائزة الكبرى في كانّ ٢٠١١. هذا الفيلم قدّم، مرة أخرى، مخرجه التركي باعتباره واحداً من "ذئاب" الفنّ السابع. لجيلان ادراك وفهم خاصان بالزمن السينمائي، وهو بذلك يقترب كثيراً من الرواد الروس، مع انه يتحلى أيضاً بدقّة النظر وبالعين التي يمتاز بهما فنّان من قماشة كيارستمي. هو الآتي من التصوير أصلاً، حيث تؤدي الكيفية التي تلتقط بها المساحات والكادر وانبعاث الضوء وتحريك الأشياء في الظلال والعتمة، دوراً مهمّاً في تشكيل الاطر البصرية لأعماله التي لم ترضَ البتة بالتنازل عن المستوى الذي انطلقت فيه منذ بداية تجربة، أقل ما يمكن القول فيها انها تخرج من الدرب الاعتيادي للسينما التركية في العقدين الأخيرين. جيلان تركي الولادة والاقامة والمشغل والهمّ، لكن سينماه تنحو إلى جعل الموضوعات والشخوص المختارة تبدو أكثر قرباً إلى "العالمية" منها إلى التأصل في بيئة تركية بعيدة من كلّ انفتاح على العالم. لكن، بسحر ساحر، يعرف السينمائي الكبير كيف يجعل كلّ ما يصوّره ذا جذور وامتدادات في الأرض التي يغرس فيها كاميراه. "ملحمته" هذه التي تمتد على ساعتين وثماني وثلاثين دقيقة، تضعنا في قلب فيلم يحمل في أول مشاهده التشويق الخاص بالفيلم البوليسي. لكن ما نعتقده اجراء بوليسياً وتحقيقات وحبكة، سيتبين انه حجة لأخذنا عبر دروب الأناضول المتعرجة واجراء رصد نفسي لشخوص ترتسم من خلالهم ملامح بلاد بأكملها.

يحملنا جيلان إلى رحلة يصوّرها كأمير عاشق، عاملاً بمنطق المعالجة البطيئة التي تثمر منها سينما ذات عمق إنساني: لقطات طويلة ومدروسة لجانب الخطوط التي تسلكها الكاميرا؛ كادرات ذات جمال سخي تنم عن حسّ بصري عال جداً حيث تحار العين أين ينظر. يغرقنا الفيلم طوال نصفه الأول، في ظلام شبه دامس، في مطاردة لموت لا يحتاج إلى أن يكون كي يفرض علينا حضوره. ولا نرى حقل الصورة الا من خلال ما يتيحه لنا الضوء المنبعث من السيارات. فكرة سيناريستية تتحول عند السينمائي الملهم استعارة لصراع النور والظلمة. يعمل النصّ على تهذيب التضاريس الدرامية، فيهمس الفيلم كلامه همساً، علماً ان الحورات هنا أكثر ممّا هي عادةً في أفلام جيلان. لكن السكون يحتل حيزاً لا بأس به في الفيلم الذي يذهب، في بعض فصوله، إلى نوع من شاعرية، وحده جيلان قادر على اعطاء معنى لها في سياق الحوادث التي يريدنا أن ندخلها. وهاجس البحث يطول إلى أن يتحول هاجساً للمشاهد نفسه!

بعد فترة معينة من بداية الفيلم، نعلم أن كلّ ما يريده رجال الشرطة الذين يصطحبون معهم رجلين يعتقلانهما، هو معرفة المكان الذي دفن فيه المجرم جثّة الشخص الذي قتله. من خلال هذه الحجّة الروائية التي تشغل (على رغم كونها حجّة) المخرج وكذلك المشاهدين، نتعرف إلى شخصيتين أساسيتين: الموكل العام الذي يقوم بعمله من دون ان يطرح على نفسه تساؤلات كبيرة، والطبيب الشرعي الذي يرافقه، وهو الشخص الوحيد ضمن المجموعة تعتمل في نفسه الشكوك. الاثنان سيلتقيان عند سؤال واحد: ما هو الموت؟

بيد انه، ينبغي عدم الاعتماد على الفيلم ونمطه المينيماليّ ليأتينا بأجوبة عن القلق الكبير الذي يعبر العمل منذ تلك اللقطة الجامدة لزجاجة متّسخة وصولاً إلى تلك النافذة التي ينظر عبرها الطبيب إلى أطفال يلعبون في باحة المستشفى. وبين اللقطتين، صعود إلى القمر من خلال غنائية سينمائية مصيرها مجهول على طرق الأناضول النائية. شاعر السينما التركية المعاصرة، يضع كاميراه أمام قساة حرقت المهنة ضمائرهم، لكن عظمة السينمائي الفذ هي انه سينتظر تلك اللحظة حيث ستصبح أرواحهم شفافة ونفوسهم مستعدة لتلقي لعنة الشكّ ووجوهم ملطخة بقطرات دمّ.

وككلّ سينمائي كبير يدرك ما هو عليه، يبتكر جيلان مناخات تلتحق بالسينما الكبيرة، في منتصف الطريق بين أنطونيوني وانغلوبولوس، ولا مبالغة في المقارنة! عالم يتحكم بكل تفاصيله البعيدة والقريبة. قلّة مثله تعرف كيف تبدع المُشاهد بهدير محرك في وسط فراغ مرعب، أو كيف يثير الهلع بدويّ رعد وهطول مطر ونباح كلب. يلتقط جيلان مرور الزمن، منوعاً في الأساليب. حيناً ينغمس في واقعية نجد جذورها في بعض الأفلام الإيطالية القديمة، وحيناً في سينما رومنطيقية لا تنفك تتحوّل تراجيدية. وسرعان ما يغلب الطابع الوثائقي على الفيلم، خصوصاً ان المخرج لا يتوانى عن اللجوء إلى مفرداته، إيقاعاً وحس مراقبة ودقّة. لكن، هناك دوماً حضور طاغ لعظمة البصيرة والتشكيل الذي تنتج منه لقيات سينمائية مثل لحظة انقطاع الكهرباء ووصول الفتاة بفناجين الشاي إلى الرجال المتعبين.

واذا كان الفيلم يلعب على أنواع سينمائية عدة، فالنوع الذي يغدو استراحة محببة بعد أن يكون قد حبس أنفاسنا، هو ذلك الذي يأتي بعد العثور على الجثّة وكتابة التقرير ومحاولة ادخالها إلى صندوق السيارة. هنا سيخطر في بال الموكل العام، وهو يملي التقرير على المفوّض، ان يشبّه نفسه بكلارك غايبل. الطرافة، عند جيلان، قد تكون أيضاً موجّهة إلى الذات، إلى ذات المخرج، في محاولة للنيل من هيبتها، لا بل ربما إلى تدمير تلك الهيبة، كما هي الحال مثلاً في الطرافة التي تنتج من الحوار بين الشرطيين. يقول الأول بعدما سئم من البحث عن الجثة: "هيا بنا لنعطي معنى لهذا كله". يأتي الردّ على النحو الآتي: "نحن هنا نموت من الضجر!". ليست مصادفة اذا كانت الرحلة كلها، حيث المسكوت عنه أكثر من الكلام المعلن، تنتهي في مشرحة أحد المستشفيات حيث طبيب (الشخصية الأقرب إلى وجهة نظر المخرج) يتولى "انهاء" الفيلم. احذروا التفاصيل، فما يخفيه جيلان يعادل ما يريه.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
اقتصاد وأعمال 6/1/2026 5:45:00 AM
الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" أسهم في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار الذي اصاب مصارف لبنان، ولا يزال عصياً على الحلّ في ظل غياب رؤية حكومية واضحة.
لبنان 6/1/2026 5:21:00 AM
مسؤول أميركي لـ"أكسيوس": "الرئيس جوزف عون سعى إلى طرح هذا المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه، لكنّ رد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان مراوغاً ومخيّباً للآمال"
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.