السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

خاص "النهار"- بين ارتفاع إصابات كورونا واستقرارها: نحن أمام سيناريوين وواقع لا مفرّ منه!

المصدر: "النهار"
ليلي جرجس
ليلي جرجس
خاص "النهار"- بين ارتفاع إصابات كورونا واستقرارها: نحن أمام سيناريوين وواقع لا مفرّ منه!
خاص "النهار"- بين ارتفاع إصابات كورونا واستقرارها: نحن أمام سيناريوين وواقع لا مفرّ منه!
A+ A-

"تبيّن أن عدد المخالطين لحالة مجدلون بلغ ٧٥ شخصاً"، وفق محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر. هذه عينة صغيرة عما يجري في  بعض المناطق والدليل الحيّ لحالات التفلت والاستهتار. حالة واحدة من شأنها أن تحدث عدوى داخلية، ما تملكه وزاراة الصحة من معطيات حول الحالات المخالطة تعكسه مخاوف وتوصيات وزير الصحة التي رفعها بالأمس إلى مجلس الوزراء، وبالتالي الموافقة على إغلاق البلد 4 أيام. ولكن هل الحل في الإغلاق التام ومن ثم العودة التدريجية والبقاء في هذه الدوامة كلما سجلنا ارتفاعاً في عدد الإصابات؟! صرخة الأطباء تؤكد أن هذا الفيروس باقٍ لمدة طويلة وعلينا أن نعتاد نمط حياة جديداً وأن تصبح ثقافة الكمامة والتباعد الاجتماعي مكتسبة عند المواطنين إلى حين إيجاد لقاح. 

 التراخي في بعض المناطق سينسف الإنجاز الذي حققه لبنان مع #كورونا، صحيح أن الأوان لم يفت بعد وأنه بإلإمكان إعادة السيطرة على الفيروس وعدم تفشيه في البلد، لكن هذه المسؤولية جماعية ومشتركة بين الدولة والمواطن، ودونهما لن ننجح في مواجهة هذا الفيروس في ظل إمكانياتنا الاستشفائية المحدودة. 

يبدي الباحث في علم الفيروسات والأمراض الوبائية الدكتور حسن زراقط أسفه لما آلت إليه الأمور في الأيام الأخيرة وارتفاع عدد الإصابات. ويقول لـ"النهار" إن ما شهدناه كان يمكن تفاديه وعدم حدوثه لو التزم الناس بالتدابير والإجراءات الوقائية. للأسف شخص واحد عاد من الخارج نقل العدوى إلى مجموعة، وهذه عينة لما قد يحدث في حال التفلت والاستهار. لذلك علينا أن نعمل لتجنب حدوث فورة قوية في عدد الإصابات بشكل مفاجئ وسريع، وما يؤسفني أننا نرى استخفافاً وعدم دراية لأهمية الحجر المنزلي. فنحن عندما نطلب من الناس الالتزام بالحجر المنزلي فهذا يعني عدم رؤية أحد أو التواصل معه وأن يكون في عزلة تامة لمدة أسبوعين، إلا أن البعض غير ملتزم بهذه الإجراءات والتوصيات الصحية".

وأشار إلى أنه "أصبح واضحاً تسجيل حوالى 110 إصابات مرتبطة بالسفر، وكما أن الدولة تتحمل مسؤوليتها بإعادتهم إلى بلدهم، على العائدين أن يكونوا على قدر المسؤولية أيضاً والتقيد بالإجراءات الوقائية وألا يتسببوا بخرق موضوع السيطرة على #كورونا في لبنان. علينا أن نعرف أنه بعد الرفع التدريجي للتعبئة العامة المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المواطن، فالدولة تقوم بمهمامها وتعطي ارشاداتها ضمن قدراتها لإبقاء الكورونا تحت السيطرة وعدد الإصابات مستقراً، وعدم وجود جيوب مخفية في البلد. وبطبيعة الحال مرحلة رفع التعبئة لاستمرار الدورة الاقتصادية يترافق عادة مع اختلاط بين الناس ولكن بطريقة مدروسة ووفق شروط محددة. وهنا يكمن دور المواطن في التقيد بالتدابير والإجراءات الوقائية من ارتداء الكمامة وغسل اليدين باستمرار واحترام المسافة الآمنة لمنع حدوث موجة قوية من الحالات".

ويشدد زراقط على الناس "أن تعرف المحافظة على الحدّ الأدنى من التواصل الاجتماعي، ربما بطبيعة عمله عليه التواصل مع الناس ولكن بحياته الشخصية عليه عدم الذهاب في زيارات اجتماعية واحتفالات. على الناس أن تعرف أن نمط الحياة تغيّر، وعلينا أن نعتاد على نمط حياة من الحد الأدنى من التواصل والاختلاط الاجتماعي بهدف الاستمرار في العجلة الاقتصادية. في حال تضاعفت الحالات بشكل يومي فهذا يدل على أننا سنشهد على موجة كبيرة وقاسية ستدفعنا إلى إغلاق البلد مجدداً. إذاً في حال فقدنا السيطرة على الفيروس، لن يكون أحد محمياً منه. علينا التمتع بمسؤولية عالية حتى تبقى الأعداد ضمن المعقول، وأي حالة جديدة نحتاج إلى أسبوعين لمعرفة مدى انتشارها ومتابعتها واستيعابها ومعرفة مصادر العدوى وتقييمها".

إذاً نحن أمام أسبوعين دقيقين جداً والعدوى الداخلية هي التي تثير القلق اليوم بعد ارتفاع عدد الاصابات عند المقيمين، وفق زراقط "في حال الحالات المصابة بقيت مخالطة لأشخاص آخرين ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي، وبالتالي نحتاج إلى أسبوعين (فترة حضانة الفيروس) لمعرفة مدى انتشار العدوى بين الحالات المصابة مع الآخرين، وهذا ما تقوم به الوزارة من خلال متابعتها للحالات المصابة والمخالطة لها، ولكن على المواطن أن يُبادر أيضاً ويعزل نفسه عند معرفته بإصابة الأشخاص. وعلينا أن نعرف أن كل شخص مخالط لحالة مصابة أصبح بدوره مصدراً لنقل العدوى إلى مجموعة جديدة".

وعن قرار إغلاق البلد بعد ارتفاع الحالات، يشدد رزاقط على أنها "ليست الطريقة المثلى للتعامل مع المرحلة المقبلة، الأمر يتطلب متابعة فورية من قبل فرق طبية جاهزة في المناطق لحصر انتشار الفيروس في البؤرة الجديدة وإعداد دراسة لمدى خطورة نشأة الحالات الجديدة على المرحلة المقبلة. وبناءً عليه في حال كانت الأرقام والحالات ضمن السيطرة يمكن متابعة الحياة مع تشديد الإجراءات. أما في حال تفشٍّ واضح وواسع في منطقة معينة يمكن اللجوء إلى عزل المنطقة".

ما هو المعيار للمؤشرات الأساسية التي يجب التركيز عليها لمعرفة قدرتنا الاستيعابية في الأسابيع المقبلة. وحسب عدد الحالات المسجلة والمتوقعة يمكن معرفة القدرة الاستيعابية ومرحلة الخطر التي قد نصل إليها والتي تتطلب إغلاق البلد. غير أن هذه المؤشرات لم يتم مشاركتها مع المواطن لمعرفة كيفية إدارة ما بعد رفع التعبئة العامة. ما جرى في الأيام الماضية بمثابة درس للمواطنين حتى يعرفوا ويلمسوا حقيقة مدى سرعة انتشار الفيروس والتنبه لأن الفيروس مخفي ولا يمكن رؤية عوارضه دائماً أو معرفة حامله".

هذا من الناحية الطبية، ولكن ماذا عن عالم الأرقام وما تحمله من سيناريوات للأيام المقبلة؟ 

برأي الأستاذ المحاضر بعلم الرياضيات والإحصاء في كلية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية الدكتور ماهر عبد الله "في كل مفصل من مفاصل الحياة في لبنان، ينقسم اللبنانيون بين مؤيد لفعل ما وبين معارض له، ومؤخراً انقسم اللبنانيون بين مؤيد لعودة اللبنانيين وبين معارض لهذه العودة، وهنا اسأل: هل أخطأت الدولة اللبنانية بإعادة اللبنانيين من الخارج؟ 

يوجد بعدان للإجابة عن هذا السؤال:

البعد الأول : هو البعد الوطني وهنا أعتبر ان ما قامت به الدولة اللبنانية ينم عن تحمل المسؤولية الوطنية تجاه اللبنانيين الذين يريدون هذه العودة بالرغم من الانتقادات للكثير من التفاصيل. 

البعد الثاني: هو القدرة للدولة اللبنانية على تحمل تزايد أعداد الإصابات بكورونا جراء هذه العودة، وللإجابة عن السؤال المتعلق بالبعد الثاني، يجب معرفة الأمور  الآتية:

1) ما هي قدرة النظام الصحي اللبناني على استيعاب مرضى الكورونا

هذه بعض التفاصيل المهمة لمعرفة إمكانية النظام الصحي اللبناني،  ويجب الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعود الى 1 نيسان 2020 وقد عملت وزارة الصحة مع المستشفيات على زيادة هذه القدرات لمواجهة الكورونا.

في هذا الاطار وحسب السيناريو المعمول به من قبل وزارة الصحة ولكي لا نتخطى قدرات النظام الصحي اللبناني لا يجب أن يتجاوز عدد الحالات النشطة الـ 5000 مصاب لأننا نكون وصلنا الى حافة هذه القدرات حيث أن حوالى 10% بحاجة الى استشفاء أي 500 مصاب و5% إلى عناية فائقة أي 250 مصاباً. ولن يتجاوز عدد المصابين الذين بحاجة الى جهاز تنفسي هذا الرقم.

2) ما هو المنحنى الوبائي لغاية 11 أيار 2020

برأي عبدالله أنه "بعد انتهاء المرحلتين الأولى والثانية من اعادة المغتربين من الخارج، سُجل 859 إصابة بكورونا بينهم 234 حالة شفاء (27 %) و 26 حالة وفاة (3%) ليبقى 599 حالة نشطة (70%)، بين هذه الحالات النشطة، يوجد 564 حالة عزل في المنزل (94%) يعني أن هذه الحالات ليس لها عوارض أو أنها خفيفة العوارض ويوجد 35 حالة استشفاء (6%) بينها 32 حالة متوسطة و3 حالات في العناية الفائقة.

في هذا المنحنى الوبائي، المنحنى الأزرق هو للحالات النشطة والمنحنى الأحمر هو للحالات النشطة التي تحتاج إلى الاستشفاء مع اعتبار نسبة 10% من الحالات النشطة بحاجة للرعاية الطبية، وهنا يتبين لنا أن النظام الصحي لا يزال مسيطراً على أعداد الاصابات".

3) ما هو العدد المتوقع للإصابات بين الوافدين في المرحلة الثالثة

في المرحلتين الأولى والثانية من إعادة المغتربين من الخارج، سُجل 117 إصابة بين العائدين من أصل 8000 ما يشكل نسبة حوالي 1.5 %، واذا بقيت هذه النسبة في المرحلة الثالثة حيث يعود 11300 مغترب، يمكن أن نتوقع تسجيل 170 إصابة جديدة بين العائدين في المرحلة الثالثة.

ويشرح عبدالله أنه "في المرحلة الممتدة من 21 شباط لغاية 4 نيسان أي قبل بدء المرحلة الأولى لعودة المغتربين، سُجل 520 اصابة من بينهم 132 وافداً من الخارج. وهذا يعني أن كل وافد أعطى العدوى لـ 3 أشخاص كمعدل وسطي. يعني، علينا أن نتوقع زيادة المصابين جراء المرحلة الثالثة بـ 170 + 510 = 680 مصاباً.

في الخلاصة، لم يكن قرار الدولة اللبنانية خاطئاً بالنسبة لقراءة أعداد الإصابات المتوقعة مقارنة مع قدرات النظام الصحي اللبناني، ولكن الدولة اعتمدت على وعي العائدين من الخارج بالنسبة للحجر المنزلي وعدم التخالط مع أي شخص آخر حتى لو كانت نتيجة فحص الكورونا  أو الـPCR سلبية. وهنا يجب توعية المجتمع على أن هذا الفحص ليس دقيقاً بنسبة 100% وأكبر مشكلة لهذا الفحص هو الخطأ السلبي ( (False negative) بمعنى أنه يمكن للشخص أن تكون نتيجته سلبية بينما هو مصاب بالفيروس وخصوصاً في فترة الحضانة للفيروس أي قبل ظهور العوارض.

لذلك على كل لبناني عائد من الخارج تحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية لجهة الحجر المنزلي لمدة 14 يوماً وعلى الدولة معاقبة الأشخاص الذين لا يلتزمون بهذا الحجر".




الكلمات الدالة