كنعان: إشكالية النزوح كان لا بد من معالجتها منذ العام 2011

التي يأخذ بريقُها بالقلوب
Smaller Bigger

تخرج فاتن حمامة من الظل بعد طول غياب. فقد عادت في الأسابيع الأخيرة إلى الواجهة، وظهرت في "دار الأوبرا" حيث جرى تكريمها في احتفال "عيد الفن"، وتحدثت مطوّلا إلى رئيس تحرير "المصري اليوم" مجدي الجلاد في حوار مصور، واستعاد الجمهور العربي معها ذكرى "الزمن الجميل"، يوم كانت مصر "علوية تنظر إلى علا، لا تحتية تنظر إلى تحت".


في الشهر الأخير من عام 1939، نشرت مجلة "الإثنين" المصرية مقالة عن "النجوم الأطفال في الأفلام المصرية"، وتوقّفت عند أمثلة عدة، منها الطفلة سلوى التي لعبت دور ابنة أمّ كلثوم في فيلم "نشيد الأمل" التي اختفت بسرعة ولم يعد يذكرها الناس إلا عند اعادة عرض الفيلم المذكور، والطفلة التي ظهرت مع بهيجة حافظ في شريط "الاتهام"، والطفلة التي ظهرت في فيلم "بنت الباشا المدير"، والطفلة بثينة، ابنة شقيقة المخرج أحمد جلال التي ظهرت في فيلم "بنكنوت"، والطفلة نوال كريمة توفيق المندلي التي لعبت دورا في فيلم عبد الوهاب الأول "الوردة البيضاء"، والطفل فايد محمد فايد الذي عرفه الجمهور في فيلم ابرهيم لاما "الكنز المفقود". في تلك المقالة نشرت المجلة صورة وحيدة تمثل طفلة ترفع يدها اليمنى إلى الأعلى، وقالت في وصفها: "هناك طفلة أخرى يقول الأستاذ محمد كريم إنها ستفوز بإعجاب الجماهير كثيرا، وهي فاتن حمامة، التي تمثل دورا مهما في فيلم "يوم سعيد" للأستاذ محمد عبد الوهاب، فهذه الطفلة تمتاز بمواهب فذة سعى الأستاذ كريم لاكتشافها وابرازها، وقد وصفها كريم بقوله إنها جريئة إلى حد لا يتصوره العقل وإنها مطيعة، وأكد أنه لو اهتمّ بها والداها وعلّماها، فإنها ستفوق شيرلي تمبل بكثير".
لمع نجم هذه الطفلة، وأفل نجم سائر الأطفال الذين تحدثت عنهم "الإثنين" في تلك المقالة. كبرت فاتن، وصارت فتاة يافعة، وأدارها محمد كريم من جديد مع محمد عبد الوهاب عام 1944 في فيلم "رصاصة في القلب". وظهرت للمرة الثالثة على الشاشة في فيلم "دنيا". ثم عرفها الجمهور صبية ناعمة تمثل الى جانب ماري كويني في فيلم "كانت ملاكا" عام 1947، قبل أن تقفز إلى الصف الأول في "أبو زيد الهلالي" الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار في نهاية تلك السنة. عند انتهاء تصوير هذا الشريط، هربت النجمة الصاعدة والمخرج المخضرم الذي يكبرها بأعوام عديدة لعقد قرانهما تحت سفح الهرم بعيدا من رقابة والد فاتن حمامة، "وسافر الزوجان إلى الاسكندرية، وتركا عنوانهما مع الأستاذ فؤاد الجزايرلي حتى يعطي إليهما إشارة العودة إلى القاهرة أو الانقطاع عن هذا العالم إذا غضب الأب"، كما كتبت يومها مجلة "الصباح". في العام التالي، جمع فيلم "خلود" بين فاتن وعز الدين، ولعب المخرج في هذا الفيلم الدور الأول إلى جانب زوجته التي تبدو في سن ابنته. في شهر أيار، كتب محرّر "الصباح" في نقد الفيلم: "كان للأستاذ محمد كريم الفضل الأول في اكتشاف فاتن حمامة عندما عهد إليها بتمثيل دور أنيسة في فيلم "يوم سعيد"، وأذكر أن الأستاذ كريم تحدث مع كاتب هذه السطور عن نجمة لامعة سيكون لها مستقبل، ولا بد أن تصل إلى كل ما تطمح له فيه من شهرة. وها هي الأيام قد حققت لفاتن حمامة ما قاله عنها الأستاذ محمد كريم، وأصبحت تقوم بعبء البطولة في كثير من الأفلام، وتلاقي في كل فيلم نجاحا يتضاعف عن نجاحها في الأفلام التي سبقته".


العصر الذهبي
لعبت فاتن حمامة في تلك الفترة من حياتها عشرات الأدوار السينمائية تحت إدارة أشهر مخرجي الشاشة المصرية. وباتت نجمة السينما المصرية الأولى. كتب صالح جودت عنها: "استطاعت فاتن، منذ اليوم الأول لظهورها وهي شابة، أن تحقق أجمل الأحلام. لقد شهدنا عشرات الفتيات يلمعن ثم ينطفئن، وعشرات ينطفئن ثم يلمعن، ولكن فاتن بقيت في وسط هذا الزحام لامعة دائما، براقة بريقا يأخذ بالقلوب والألباب، حتى يُخيّل إليّ أنها لا تستطيع السقوط. ولعلّ أبرز دليل على عظمة فاتن، أنك تستطيع أن تضعها وسط فطاحل الفن وأساطينه، كزينب صدقي، وفاطمة رشدي، وأمينة رزق، وأمام حسين رياض، وعباس فارس، وزكي رستم، دون أن تخشى على نور مصباحها من هذه الزوابع الخليقة بإطفاء اسطع الأضواء. تستطيع أن تطمئن عليها وسط الجبابرة، فإنها قادرة على الوقوف بينهم ثابتة القدم، مرفوعة الرأس. وليس من شك أنها الوحيدة بين جميع ممثلاتنا الشابات، التي تملك أن تضع نفسها في هذا الموضع، دون خشية ولا وجل".
في الخمسينات، تابعت الصحافة أخبار النجمة الفنية، كما تابعت أخبار حياتها الشخصية مع زوجها عز الدين ذو الفقار، ورافقت ولادة ابنتهما نادية ونموّها في سنواتها الأولى. في آب 1954، نشرت المجلات الفنية صورة الأم والإبنة في مطار بيروت، وجاء في الخبر: "سافرت السيدة فاتن حمامة إلى لبنان تصحبها كريمتها نادية لقضاء شهر هناك طلبا للراحة والاستجمام، ولحضور الحفل التي ستقيمه الصحافة اللبنانية لتسليمها الكأس التي فاز بها فيلم "موعد مع الحياة" في مسابقة أحسن فيلم في الموسم الذي نظمته صحافة لبنان". أخرج هذا الفيلم عز الدين ذو الفقار، ومعه حملت بطلته لقب "سيدة الشاشة العربية" الذي لازمها إلى يومنا هذا. في تلك السنة، قبل بضعة أشهر من سفرها إلى لبنان، لعبت فاتن دور البطولة في فيلم من اخراج يوسف شاهين بعنوان "صراع في الوادي"، شاركها البطولة فيه وجه جديد اكتشفه المخرج وأطلق عليه اسم "عمر الشريف"، هو ميشال شلهوب. في تلك الفترة، انفصلت فاتن عن عز الدين ذو الفقار، وتزوجت في شباط 1955 من عمر الشريف. أعلنت مجلة "الكواكب" الحدث، وقالت في تعليقها: "تم زواج النجمة السينمائية فاتن حمامة من النجم الشاب عمر الشريف في حفل عائلي حضره أصدقاء الطرفين وساده جو من الهدوء والسعادة، وتقول فاتن إنها سعيدة بهذا الزواج، وإنها تحب زوجها، وتعتقد أنه يبادلها الشعور نفسه لما لمسته منه من استعداد لتضحية الرخيص والغالي في سبيلها. أما عمر الشريف فصرح بأنه عندما أُعجب بفاتن حمامة كممثلة سينمائية كان لا يتصوّر ان هذه النجمة المشهورة ستكون يوما ما السيدة فاتن الشريف".
شغل هذا الزواج الصحافة، وبات حديث البلد. علّق كبار الكتّاب المصريين على هذا الحدث، ومنهم محمد التابعي، مصطفى أمين، عباس محمود العقاد، سلامة موسى، واحسان عبد القدوس. عاد محمد التابعي إلى صيف 1938، وقال إنه دعي في تلك السنة إلى عشاء حضره محمد عبد الوهاب ومحمد كريم وطفلة صغيرة قال عنها كريم يومها: "ستكون ممثلة كبيرة، وستتزوج على الأقل مرتين". أضاف التابعي معلقا: "ومرت الأعوام، وأصبحت الطفلة فاتن حمامة ممثلة، وممثلة كبيرة، وتزوجت مسلما أول مرة، ومسيحيا أسلم من أجلها ثاني مرة، واجتمع بلح مصر مع تين الشام. ما أعجب الدنيا". في المقابل، قال مصطفى أمين: "فاتن حمامة لها كامل الحرية، وعمر الشريف له هذه الحرية، وكلنا أحرار، هكذا يقول ميثاق هيئة الأمم المتحدة. والآن وقد تمّ هذا الزواج أقول رأيي: انني أؤيد فاتن حمامة في زواجها. أؤيدها وألعنها". وقال فكري أباظة: "عجايب. غريبة. مش معقول. مش مصدق. مبروك. ألف مبروك. أنا مؤيد. وأنا معارض. وأنا محايد. وأنا...". من جهته، اعتبر العقاد هذا الزواج "من بدع الماركسيين الذين يطلقون علينا كل يوم بدعة جديدة، وما أكثر البدع". ورأى فيه "ماركسية جديدة في صورة جديدة". على العكس، أيد سلامة موسى هذا الزواج، وقال معلقا: "ان مصر لن تنهض إلا إذا كانت علوية، علوية تنظر إلى علا. لا تحتية تنظر إلى تحت". في السياق نفسه، اكتفى احسان عبد القدوس بالقول: "عز الدين ذو الفقار صديقي، وفاتن حمامة كانت زوجته ثم طلقت وتزوجت، ومن حقها اليوم أن تبتسم وتقول: أنا حرة".
من المفارقات الغريبة، عاد عز الدين ذو الفقار إلى إدارة زوجته السابقة عام 1960 في فيلم بديع يستوحي أحداثه من رواية تولستوي الذائعة الصيت، "آنا كارنينا"، ولعب دور البطولة في هذا الفيلم عمر الشريف، وفيه التقى النجمان الزوجان للمرة الأخيرة. جسّدت فاتن في هذا الفيلم دور نوال التي تزوّجت من باشا ثري يكبرها بعقود، وذلك لإنقاذ شقيقها من دخول السجن. تعيش الزوجة الشابة في جحيم مع رجل مسنّ لا يعرف للحب معنى، وتنجب منه ابنا، ثم تلتقي في طريقها إلى الصعيد بشاب يدعى خالد، وتغرم به. تطلب الطلاق من زوجها الباشا، فيطردها ويحرمها من ابنها ويبتزها. يذهب خالد للقتال في فلسطين عام 1948، ويستشهد هناك. تحاول نوال أن تعود إلى بيتها من أجل ابنها، فيطلقها الباشا انتقاما منها، ويحرمها من رؤية ولدها، فتذهب للموت طوعا. على عكس العادة، يقلب عز الدين المفهوم الأخلاقي التقليدي، ويدفع الجمهور إلى التعاطف مع زوجة خائنة تقع في حب رجل آخر وتترك من أجله ابنها الوحيد. إلى اليوم، يسحر الفيلم المشاهد برومنطيقيته النضرة، ويظل واحدا من أجمل أفلام ذلك العهد الذي يُعرف اليوم بـ"الزمن الجميل".


أرض الأحلام
تغيرت صورة فاتن حمامة بين عقد وآخر. في البدء، اشتهرت النجمة بدور البريئة الغلبانة، وتغيرت هذه الصورة في عهد الثورة، وظهر التحول في سلسلة من الأفلام، أولها "الأستاذة فاطمة"، ثم "صراع في الوادي"، وبعده "دعاء الكروان" في نهاية الخمسينات. بلغت فاتن حمامة القمة في فيلم "الحرام" الذي أخرجه هنري بركات عن قصة ليوسف ادريس بالاسم نفسه. لعبت فاتن في هذا الشريط دور فلاحة تعمل مع زوجها ضمن عمال التراحيل. يُصاب الزوج بمرض يقعده عن العمل، وتجهد المرأة في الكفاح لتأمين لقمة العيش. يشتهي الرجل المريض البطاطا، فتذهب لتقتلع بضعة رؤوس منها ليلاً. يعتدي عليها شاب من شباب القرية، فتحبل، وتخفي حملها، وعندما تلد، يصرخ المولود، وتخشى هي الفضيحة، فتحاول أن تسكته، فتقتله من طريق الخطأ، وتعود للعمل وهي منهكة، فتصاب بحمى النفاس، وتلفظ أنفاسها. رُشّح الفيلم لنيل السعفة الذهب في مهرجان كان، وتم تصنيفه لاحقا في المركز الخامس ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية. بعد وصولها إلى ذروة عطائها الفني في هذا الفيلم، غادرت فاتن حمامة مصر في عام 1966 هربا من ضغوط سياسية كما تقول الرواية الشائعة، ولم تعد إلى موطنها إلا في عام 1971، بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر.
مثلت فاتن حمامة في السبعينات سلسلة من الأفلام الجدية التي يعرفها كل متتبعي السينما المصرية، ولمعت تباعا في "الخيط الرفيع"، "امبراطورية ميم"، "أريد حلاً"، "أفواه وأرانب"، ثم "ولا عزاء للسيدات". واصلت فاتن حمامة هذه المسيرة المميزة في الثمانينات، ولعبت تحت إدارة خيري بشارة في "يوم حلو يوم مر"، وفيه ظهرت في دور أرملة فقيرة تناضل لتعيل أولادها الخمسة. في التسعينات، تعاونت سيدة الشاشة مع المخرج داوود السيد، وقدمت معه آخر أفلامها الكبيرة، "أرض الأحلام"، وفيه لعبت دور نرجس التي تستعد للسفر إلى أميركا لتلحق بأولادها، غير أنها تفقد جواز سفرها قبل السفر بساعات، وتجهد في البحث عنه في الأماكن التي ذهبت إليها، وتلتقي خلال هذا البحث بساحر يجوب ملاهي المدينة، وتتعرض لمجموعة من المتاعب في ليل القاهرة، وعندما تعثر على جواز السفر قبل الرحيل بساعة، تحجم عن السفر، وتقرّر البقاء في بلدها.
كبرت فاتن في السنوات الأخيرة، وابتعدت عن الأضواء، غير أنها ظلت "سيدة الشاشة العربية"، وهي في زمننا الحاضر تمثل صورة تلك المرأة الحرة التي برزت في القرن الماضي في مصر، يوم كانت أرض الكنانة قبلة بلاد العرب ومنارتها، من المحيط إلى الخليج.

الأكثر قراءة

اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.