تعرّج الدكتورة سناء شعلان في مجموعتها القصصية "قافلة العطش" على منطق الحب والتزوّد منه بطريقة صوفية تخلع عن النفس عباءة الرذائل، وكأنها تنتقل وتعتنق أدب المدينة الفاضلة التي سنّ شرائعها أفلاطون، وتاق لأن يترأّسها ويدير زمامها الفلاسفة المتنوّرون؛ ففي كلّ قصة من قصصها مغزى يتوهّج بالحب ويتسرّب إلى مسامات الورق والأبطال ليرسم هويّاتهم وفقاً لمعتقداتها الخاصة.
في قصة "قافلة العطش" نرى شيخ القبيلة يفد إلى البدوي الذي يرأس القوم الذين أغاروا على قبيلة الشيخ وسبوا نساءها، يعرض عليه المال فدية كي يحرّر ابنته وباقي النساء من قبضة خاطفيهن، ولكن البدوي كان قد وقع في هوى الإبنة وبادلته المشاعر، فترفض الانصياع لأبيها وتأبى رفقته، وتبقى مع عاشقها مردّدة كلمة صوفية تهجر نواقيس الأرض وترتطم بنور السماء: "أنا عطشى"، فكأنّها تفرض قول الحلّاج عندما قال: "لو زال منك الأنا، لاح لك من أنا".
في قصة "النافذة العاشقة"، نرى نموذجاً للزوجة التي لاذت بزوجها وبيتها لتهب عمرها دون أن تقتفي عيناها أثر جمالها ووقعه على الآخرين، فتلمح من النافذة جارها العاشق الذي يئنّ بتنهيدٍ مثير كلّما وقعت عيناه عليها، ويهبها من الاهتمام ما عجز عنه زوجها الذي يقدّس الرجولة في لحظات الفراش فقط، فتهيم معه في الخيال دون أن تسمح لنفسها بأن تلتقط نظراته المسترسلة علناً، ولكنّه يرحل بعد زواجه مخلّفاً ذكرى حزينة وراء النافذة، تستمدّ منها بقايا سعادة زائلة تحيي أنوثتها ¬الضائعة، وترسم ابتسامة حزينة في فراغ أيّامها.
في حكاية "الفزّاعة" تسطيرٌ مخفيٌّ للعشق في أعلى درجاته، حيث يبثّ الله الحياة في صبيٍّ فزّاعةٍ بأقدام خشبية وفمه مخاطٌ على عجل، يراقب سيدة منزله التي صنعته بيديها الناعمتين بعينٍ حانية، ينصت إلى صوتها المخملي المشرّب بلازود السماء فيخفق قلبه شوقاً، يشهد يوماً على استقبالها لحبيبها في المنزل، وعزفها له الموسيقى الساحرة وغناءها الخلّاب، ثم فجأة ينشأ مشكلٌ كبيرٌ بينهما فيغادر ساخطاً، ويتركها مخضّلة بدموعها، فينسى الفزّاعة نفسه وحقيقته، ويهرع إليها دون أن يقرع الباب، حتى يتلقّف حزنها بقلبه الخشبي.
ثم تركّز الدكتورة شعلان في قصة "امراة استثنائية" على الموهبة الأنثوية للنساء في توقها للعشق، فتفصّل لنا حكاية امرأة دميمة، مشوّهة الملامح، قصيرة القامة، لم تصب أيَّ قدرٍ من الجمال، تمتلك سحر تحويل الصور أو التماثيل التي تراها إلى حقيقة تتجسّد في جسد إنسان لمدة يومٍ واحد، فتختار صورة شابٍّ يعجبها وتبثّ فيها الحياة ليتجوّل معها طوال النهار في المدينة ويلتقطان الصور، غير عابئٍ بدمامتها، بل يمسك بيدها بحنوٍّ وعطف ويجوب معها الشوارع وسط دهشة المارّة. وفي آخر الليل، يعود "الرجل الوهم" إلى صورته المعلّقة على الحائط، وتعود هي إلى فراشها في منزل أهلها الذين أهملوها منذ زمنٍ طويل، وعلى ثغرها ابتسامة عشقٍ تهافتت إليه نفسها وصبت لمملكته فنالته بالخيال وثملت منه إلى حدّ الهذيان.
العشق الصوفي يتوغّل في باقي القصص مزداناً بهالة الأساطير، يتحفّز لمجتمعٍ مثالي ينكر الذل والانكسار، بنزعة روحية تخترق الحجب الدامسة في الأرواح، لتنثر الكثير من الحب الذي تهبه الكاتبة بغلوٍّ كبير، بإفراطٍ وتفريط، محاولة أن تقنع المتلقي بأحقيّة قول جلال الدين الرومي عندما عبّر عن رأيه بالحب: "الحب لا يُكتب على الورق لأنّ الورق قد يمحوه الزمان، ولا يحفر على الحجر لأنّ الحجر قد ينكسر، الحب يوصم في القلب وهكذا يبقى إلى الأبد". فالإنسان بلا حبّ، حسب أهداف الكاتبة المبطّنة في بنية السرد، هو كالميّت لا روح فيه، فالانصهار بالمعشوق هو أوّل السبيل في تحقيق الهدف المنشود، وهو الوصول إلى المدينة الفاضلة التي لا تمتّ للواقعية بصلة، ولكنّها تقبع في جرح الغيث عندما يحلّ القحط والجفاء في عالمٍ يزخرُ بالخطايا.
سناء شعلان أتقنت فنّ الانفلات من شحوب عالمها والانتقال الجزئي إلى اللانهاية مع خيوط الفجر الأول لولادة العشق.