قال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في مستهل اجتماع وزاري اداري :"تعلمون جميعاً أنّ من عناوين هذا العهد الأساسيّة، على ما ورد في خطاب القسم، هو الإصلاح الذي هو المدخل الأساس لإرساء دولة القانون والمؤسسات على جميع الصعد والمستويات. إلا أنّ الإصلاح يبدأ بمعالجة الآفات الذي يعاني منها النظام اللبناني وترتدّ سلباً على مشروع قيام الدولة بمقوّماتها السياديّة كافة لاسيّما بوجود أزمة اقتصاديّة ونقديّة واجتماعيّة ومعيشيّة موروثة ومعقّدة، تفاقمت مع جائحة الكورونا. الآفة الأخطر هي الفساد، وهي آفة مجتمعيّة دوليّة، عابرة للحدود والقارات، ولا تقتصر على دول من دون سواها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بانهيار كامل أو جزئي لسُلّم القيم في المجتمعات التي تعاني منها".
واضاف :"إلا أنّ التصدّي لآفة الفساد ومكافحتها أمران حتميان في الدول التي يسود فيها القانون ومنطق المحاسبة والمساءلة على أنواعهما، مع التأكيد على أنّ أيّ تصدٍّ لهذه الآفة لا يمكن أن يكون ظرفيّاً أو جزئيّاً أو انتقائيّاً أو استنسابيّاً، فنقع في المحظور الأخطر المتمثّل بعدم المساواة في المساءلة بين المفسدين والفاسدين من جهة، وتسلّح هؤلاء بالمرجعيّة الروحيّة أو السياسيّة للتفلّت من تلك المساءلة، من جهة ثانية، في بلد كلبنان لا يزال المعيار الطوائفي فيه معمولاً به عند نشوء السلطات وإيلاء المواقع والمناصب لمتولّي الخدمة العامة".
وتابع :"لذلك، لا بدّ أن تتوافر العناصر التالية مجتمعة كي تؤدّي عمليّة مكافحة الفساد المستدامة أهدافها وأغراضها، التي تصبّ في النهايات السعيدة بإرساء مداميك الدولة القويّة باستقرارها وتطوّرها وازدهارها :
1- توافر منظومة قانونيّة متكاملة وفاعلة وسارية المفعول في انتظامنا القانوني ومؤلّفة من الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة التي صادق عليها لبنان أو القوانين الداخليّة المعمول بها أو التي ننشد في سبيل استكمال هذه المنظومة على أفضل وجه. في هذا السياق، إنّ حجر الزاوية لهذه المنظومة يتكوّن من اتفاقيّة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أقرّتها الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 31/10/2002 وأصبحت نافذة في 14/12/2005 وانضمّ إليها لبنان في22/4/2009، والتي يجب الاستئناس بها عند وضع أو تعديل منظومتنا القانونيّة لمكافحة الفساد، وقد يكون أبرز النصوص المطلوبة لهذه الغاية اعتماد برنامجSTAR (STOLEN ASSETS RECOVERY) المقترح في الاتفاقيّة المذكورة على الدول الأطراف، ويتحقق ذلك بتوسيع دائرة اختصاص هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان للقيام التلقائي بالاستقصاءات اللازمة لدى أصحاب النفوذ والقائمين بخدمة عامة من دون تمييز لكشف مكامن الفساد إن وجدت في ذممهم الماليّة بعناصرها كافة.
2- وجود سلطة رقابيّة مقتدرة ومحترفة وعادلة ومستقلّة وشفّافة وعصيّة على الاستتباع السياسي أو الطائفي أو المذهبي أو المناطقي، تقيم العدالة وتنطق بالحقّ وتقتصّ من المفسد والفاسد معاً. من هنا ضرورة إنشاء محكمة خاصة لمكافحة الفساد، حيث كنا قد تقدّمنا باقتراح قانون لإنشاء محكمة خاصة للنظر في الجرائم الماليّة في 30/4/2013 أثناء ولايتنا النيابيّة، على ألا يُعفى أحد من المثول لديها عندما يتعلق الأمر بالمال العام. إنّ اعتماد الأصول الموجزة يُسرّع المحاكمات من دون أيّ مساس بحقّ الدفاع ومبدأ المحاكمة العادلة. في هذا السياق وبانتظار إنشاء هذه المحكمة، المطلوب تفعيل النيابات العامة وقضاء التحقيق وقضاء الحكم في إطار مكافحة الفساد، مع توسيع دائرة الجهات القضائيّة المعنيّة بهذه المكافحة وعدم حصرها بمرجعيّة مركزيّة واحدة عندما تتيح النصوص القانونيّة ذلك".
واضاف :"3- استهداف الفساد السياسي بصورة خاصة وعدم التركيز فقط على الفساد الإداري على خطورته، ذلك أنّ ملاحقة كبار المسؤولين السياسيين يعطي المثال الصالح بأنّ الملاحقة لا تقتصر على من هم أدنى مرتبة في مراتب المسؤوليّات الوطنيّة العامة.
4- إنّ الفساد في القطاع العام والفساد في القطاع الخاص وجهان لعملة فاسدة واحدة. من هنا ضرورة انضمام لبنان إلى المعاهدات التي تضعها في هذا الخصوص «منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة OCDE»، لاسيّما «اتفاقيّة مكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجاريّة الدوليّة» تاريخ 17/12/1997 والتي دخلت حيّز التنفيذ في 15/12/1999، والتي سبق أن وافقنا على التفاوض بشأنها عملاً بالمادة 52 من الدستور، هذا فضلاً عن إقرار قانون مكافحة الفساد في القطاع الخاص. لا بدّ من الإشادة في هذا الإطار بتصديق مجلس النواب في 21 الجاري على مشروع «قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد»، بعد الأخذ بالملاحظات التي أبدينا بمعرض ردّنا للقانون المصدّق بصيغته السابقة.
وقال:"5- إقرار لبنان مشروع القانون العربي الاسترشادي لمكافحة الفساد بعد وضع الملاحظات عليه.
6- توحيد المقاربات القانونيّة وتنقية النصوص المرعية والمعنيّة بمكافحة الفساد من أوجه التضارب والتناقض فيما بينها، فيأتي التطبيق منسجماً وفاعلاً وغير استنسابي، مع الإشارة إلى أنّه يمكن تفعيل هذه النصوص بحالتها الراهنة، سواء تلك الواردة في قانون العقوبات وقانون مكافحة تبييض الأموال وقانون الإثراء غير المشروع وقانون حماية كاشفي الفساد وأخيراً قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد.
7- إقرار الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد والعمل على تطبيقها بسنّ ما يلزم من نصوص واتخاذ التدابير العملانيّة الناجعة وفقاً لنصّها وروحها".
وختم :"صحيح أنّ النفس أمّارة بالسوء، إلا أنّه يبقى أنّ أساس حريّتنا هو في داخلنا ورهن إرادتنا، حتى إن وقعنا في الفساد فقدنا حريّتنا وإنسانيتنا معاً. الإصلاح خيارنا الاستراتيجي ولن نحيد عنه ما بقينا".
نبض