البَطَر في القاموس المنجد هو استخفاف النعمة جهلاً وكِبَراً، والبطِر (البطران بالعامية اللبنانية) هو من أخذته الدهشة عند هجوم النعمة، فلم يشكرها وطغى بها وصرفها إلى غير وجهها. هذا الدرس السريع في اللغة ليس هدفنا الساعة، بل مقصده الإضاءة على حالة البَطَر الفاقعة التي تزيد حواجب البطرانين عندنا كثافة، فلا يرعوون ولا يخجلون. وهؤلاء ليسوا من المُبهمين الذين لا أسماء لهم بحيث يختبئون في التعميم، بل هم أشهر من جرس على إست بغل: رجال دولة وقائمون على الحلّ والربط والقبض فيها، من كبيرهم إلى الأصغر فالأصغر، لا استثناء لواحد ولا أفضلية لآخر، إذ كلهم في البَطَر سواء، ولا ملامة، فالبطران بمال غيره لا يُلام.
قال له: يا فرعون، مَن فَرعنك؟
أجاب: لم أجد مَن يردّني.
* * *
للحكاية بداية ومقدمات.
فأنا مُجبر على المرور يومياً سيراً على الأقدام عبر مفترق منطقة كركول الدروز- مار إلياس في اتجاه ليسيه عبد القادر شمالاً، ثم الانعطاف شرقاً نحو مستديرة مدرسة البطريركية حيث منزلي. ولطالما كانت الأرصفة هي المساحة المفضلة للسير في هذه المنطقة بالنظر إلى عجقة المدارس وكثرة السيارات العابرة جيئةً وذهاباً. لذلك كان من الطبيعي أن "أحفظ" تلك الأرصفة غيباً مع كل ما يكتنفها أحياناً من حفر أو مطبات صغيرة أو نشاز في بلاطها المرصوف. والحق أنه لم يكن في مروري اليومي ما يدفعني إلى الضيق أو التذمر، فالأرصفة في ذلك المثلّث كانت بحالة جيدة إجمالاً ولا تستدعي النقّ على الطريقة اللبنانية. لذلك فقد قلبتُ شفتي استغراباً ذلك الصباح منذ سنوات حين بهم وقد أقاموا ورشة كبيرة في تلك النقطة لنزع بلاط الأرصفة الذي كان متميّزاً بلونه الرمادي الغامق ومربعاته الصغيرة، لمن لا يتذكّر، ليعيدوا الرصف ببلاط جديد باللونين الرصاصي والقرميدي، يجري تركيب بلاطاته متداخلة بشكل هندسي ذكي، ما يمنح الرصيف منظراً جميلاً يُنسينا كآبة بلاطاته القديمة المنزوعة.
يومها كان الحريري، رحمه الله، في عزّ انطلاقته على إيقاع "البلد ماشي والشغل ماشي". الحقيقة أنني، وبعدما أمتعني المشي اليومي على البلاطات المرصوفة حديثاً، وأشكالها البديعة، ابتلعتُ استغرابي الأول وأعدتُ شفتي المقلوبة إلى وضعها الاعتيادي، وآمنتُ بفضائل التجديد وصرتُ أتطلّع أكثر إلى البعيد منتظراً قيامة البلد.
* * *
اليوم، وقد وقف البلد (بل رَبَخ) ولم يعد "ماشي"، ووقف الشغل، ومعه شعر الرؤوس، ما زلت مُلزماً المرور اليومي في المثلث الذي سبق وصفه بين مصلّبية كركول الدروز- مار إلياس ومنزلي في اتجاه الشمال. إلا أن البَطَر بكل وقاحته وفجاجته، صار رفيقي الثقيل الظلّ في كل مشاويري هذه. فالبلاطات الرصاصية- القرميدية الجميلة والمتداخلة بشكل هندسي جذّاب، التي كانت لا تزال في حالة ممتازة (أي أفضل من جيدة)، وأنا شاهدٌ مياوم على جودتها، هذه البلاطات المستقرة الهانئة وجدت مَن يقتلعها ويرمي بها جانباً في ورشة "إجرامية" جديدة، ليرصف مكانها بلاطات بديلة تتميّز بلون كالح بشع. الأنكى أن عملية التبليط الجديدة تستوجب قصّ البلاطات الجديدة بما يسمّيه "أولاد الكار" بـ"الصاروخ"، ما يتسبب في انتثار أغبرة كثيفة مزعجة تملأ فضاء الطريق والمنطقة برمتها، فترى العابرين وجلّهم من أولاد المدارس الكثيرة في تلك الناحية، كأنهم يسبحون في أمواج الغبار. ذلك كله لإعادة رصف أرصفة لم تكن بحاجة البتّة إلى تغيير بلاطها واستبداله بهذه البشاعة.
* * *
عَودا على بدء، لا بد أن يسأل سائل: ما علاقة كل هذا بدرس اللغة العربية في المقدّمة؟
الجواب الصحيح في هذا الإمتحان هو أن السيد البطران أرسى هذا الإلتزام- المكافأة على أحد شركائه المحظيين، فهبّ البطران الناشئ لجباية ماله باسم التأهيل والعمران، وكانت النتيجة هذا "الغبار العمراني لتأهيل الأرصفة" التي ليست بحاجة إلى تأهيل.
يبقى أن هذا لا يتصل البتة بأزمة البلد الاقتصادية ولا بمعجزة البطالة التي بلغت العظم ولا بالأخطار التي تهدد حتى رواتب الموظفين، ولا ينتقص من بدلات سفر و"خرج- راح" العظماء المتجوّلين حول العالم لأسباب وطنية واهية، ولا بالغاز والبترول الممنوعين من الصرف لأسباب ...ية.
نبض