هذا العالم البائس إلى أين؟
Smaller Bigger


هل هذا العالم لا يستحق الحياة؟

هل سيتغير النظام العالميّ الرأسماليّ بعد كارثة كورونا؟

إن هذا العالم البائس بلا عنوان كما هو مقالي تماماً.

لقد أنفق العالم مليارات الدولارات على التَّسليح والصِّناعات العسكريّة، والإتجار العالميِّ بالأسلحة، ذلك قبل ظهور جائحة ما يسمى بفيروس كورونا، فمع القليل من الحقائق نجد أنَّ العالم أنفق خِلال العقدين الأخيرين 17 تريليون دولار على النشاط العسكريِّ، بمعدل 850 مليار دولار سنوياً، أي 2.33 ملياري دولار يومياً، أي 97 مليون دولار في الساعة، أي 1,6 مليون دولار في الدقيقة.

وأنفق العالم مليارات الدولارات على الأندية الرياضية بمختلف أنواعها وأشكالها، لتُصبح الألعاب الرياضية تجارة عالمية، وأيضاً أنفق العالم مليارات من الدولارات على التَّرفيه، والحفلات، دون تخصيص الأموال لتحقيق أيِّ مستوى معقول من الرِّعاية الصحية للشعوب، أو لتحقيق العدالة الاجتماعية، والاقتصادية، أو إيجاد برامج حقيقيِّة لحماية النظام البيئيِّ، والحفاظ على الطبيعة والكوكب.

لقد كشفت جائحة فيروس كورونا عورات حكومات العالم، وما يحدث الآن في هذا العالم البائس فضيحة للإنسانية، وللقيم الإنسانية، فالشعوب مُجتمعة باتت تعلم حقيقة أزمة الرِّعاية الصحية التي ظهرت مؤخراً، ومدى النَّقص الحاد في المُعِدات والأجهزة الطبية، والأدوية، والتجهيزات الطبية في كل أرجاء الأرض، وهو ما أثبت هشاشة المجتمعات في مواجهة أيِّ نوع من الكوارث الصحية.

العالم لم يكُن يعرف الموت كثيراً ما قبل كارثة كورونا، ولم يكُن يُتابع صفحات الجرائد الخاصة بالوفيات، ولم يكُن يُتابع أعداد القتلى ضحايا الحروب، والفقر والمرض، بكل بساطة، كان الأمر غير مهم ولا يستحق المتابعة بالنسبة للكثير من ساسة واقتصاديي العالم! لقد تبيَّن لشعوب الأرض أنَّ القيمة الحقيقية للإنسان هي الصفر في حسابات علم الرياضيات، بعد حدوث جائحة فيروس كورونا.

إنَّ الباحثين عن الحقيقة يؤمنون جيداً بأن كل ما يحدث في هذا العالم لا يأتي من فراغ، وإذا عُدنا لِما قبل الكارثة، سوف نعلم جيداً أن المُسببات كثيرة، بغض النَّظر عن تفسيرات البعض إن كانت موضوعية أو عشوائية، كونها مؤامرة، أو كونها حادثة عرضية كوباء كل مائة عام، أو كونها خطأً بشريّاً كارثيّاً تسبَّبت به مُخلّفات الصِّناعات والتجارب البيولوجية، أو تسريبات المواد السَّامة النَّاجمة عن التَّصنيع البيولوجيِّ، أو كونها حرباً اقتصادية، أو بيولوجية، وتعدَّدت التَّحليلات والتفسيرات، بِما فيها التَّحليلات لِبعض المُتدينين من كل الدِّيانات السماوية.


الجميع لديه رؤية خاصة به في جائحة فيروس كورونا، فالسياسيّ، والاقتصاديِّ والعالم البيولوجيّ، والعالم بالدِّين، والطبيب، والإعلاميّ، وعامة الناس، الجميع يبحث ويُفسر بحسب رؤيته، سواء كانت علمية وموضوعية أو عشوائية.

علينا الفهم أنَّ الأمراض ليست أمراً مُستجداً في هذا العالم، وما يجب فعله هو مُحاولة الحدِّ منها، ومواجهتها، ذلِك بالحفاظ على النظام البيئيِّ، والحفاظ على موارد الطبيعة بالقدر الممكن، ورفع مستوى خدمات الرِّعاية الصحية العالمية، لِمواجهة أيِّ كوارث صحية متوقعة وناتجة عن المخاطر البيئية، وعبث الإنسان.

لقد خصَّص العالم مليارات من الدولارات لِلتصنيع، والتَّطوير، وأحدث الإنسان طفرة في كل مجالات الحياة، ولكنه تناسى قيمته الإنسانية أمام هذا التَّطور السريع، واليوم مع صدمة فيروس كورونا، كل ما صنعه البشر توقف، وأصبح الإنسان هو المستهدف من دون غيره في هذا العالم.


ساسة العالم والرأسماليون شاركوا في تفشّي فيروس كورونا

عند النَّظر إلى الجانب المُظلم من هذا العالم البائس، سوف نصطدم بحقائق كثيرة تسبَّبت بزيادة حجم كارثة فيروس كورونا التي وقعت على الإنسانية أجمع، فالنظام الرأسماليّ العالميّ والساسة البائسون اليوم هم أحد المُتسبِّبين في زيادة حجم الكارثة، فمع بداية ظهور الوباء بدأت القوى العالمية بتبادل التُّهم والاستهتار بالخطر المقبل، فيما اعتبره بعض الساسة والرأسماليين في إطار مسلسل الحرب الاقتصادية بين القوى العالمية، وبكل الأحوال كان إهمال ساسة واقتصاديي العالم سبباً في تفشي الفيروس.

لقد كانت الاجراءات التي اتخذها ترامب ما قبل الكارثة أحد أهم المُسببات لتفشي فيروس كورونا، وهو ما يعطي البعض الحق في تفسير ما يحدث الآن في العالم على أنه من عبث الإنسان، فقبل ظهور فيروس كورونا قام الرئيس ترامب بخطوات غريبة شملت حلّ لجنة مكافحة الجائحة في العام 2017، ومن ثم خفَّض موازنة مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في العام التالي 2018 ما أدى إلى انخفاض قدرات المركز بنسبة 80%، وهناك الكثير من الأحداث والتَّصادُمات الدولية ما قبل كورونا كانت تُنذر بحدوث حرب عالمية، أهمها التَّصادُمات بين كلٍّ من الصين والولايات المتحدة، والحرب التجارية التي ما زالت قائمة بين القوتين، والتي ما زالت مستمرة حتى مع أزمة فيروس كورونا، كذلك الصِّراع على آبار النفط الخام والغاز في الشرق الأوسط، التي تُشارك فيها قوى إقليمية وعالمية.

تلك الأحداث ما قبل كارثة كورونا، تعطي الحق للبعض في تفسير ما يحدث الآن عالمياً، على أنه ضمن مسلسل الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، أو ضمن مسلسل التَّصادمات بين القوى العالمية، وبكل الأحوال هناك الكثير من الكوارث في هذا العالم تقع كنتيجة حتمية للخلافات بين ساسة وقادة العالم كالحروب على سبيل المثال، وكنتيجة لبعض القرارات المُجحفة بحق الشعوب كسياسات العقوبات الجماعية، أو لتعارض السياسات الخارجية لمختلف الدول ومصالحها.


ما يريده النظام الرأسماليّ العالميّ هو عصر الآلة على حساب القيمة الإنسانية

"من المؤسف أن تكون قيمة الإنسان صفراً مقابل قيمة الآلة".

على الرغم من أنَّ العقل هو ما يُميِّز بين الإنسان وغيره، إلا أن الإنسان استخدم العقل بالطريقة الخطأ واستبدله بالآلة، ذلك عندما تنازل عن القيمة الحقيقية لوجوده في هذا الكون، وكنتيجة لذلك التفكير أصبحت الآلة أهمّ من الإنسان.

مع التَّطور الحاصل في هذا العالم يبدو أن التفكير البشريّ بمرور الزمن يذهب نحو السَّلبية في الكثير من مناحي الحياة، فقد أهمل الإنسان الطبيعة، واهتم في تطوير الآلة على حساب نفسه وكل الموارد من حوله، آملاً بتحقيق مستوى عالٍ من الرَّفاهية، وكنتيجة للتفكير السلبيِّ القاتل استمر الإنسان ببناء أكبر قدر ممكن من المصانع مُتجاهلاً خطرها على البيئة التي يعيش فيها، ومستغلاً كلّ الموارد الطبيعة لأغراض التَّصنيع، ومُتجاهلاً مدى الأخطار النَّاجمة عن ذلك التلوث البيئي النَّاجم عن التَّصنيع.

إن أحد مخرجات النظام العالميِّ الرأسماليِّ ما قبل كورونا، كان الارتفاع لِقيمة الآلة، مقابل هبوط قيمة الإنسان وذلك على حساب الطبيعة، فالمصانع الكبرى استهلكت الكثير من الموارد الطبيعية كالصلب والحديد، والذهب والفضة، والنفط، والشجر، والمياه، وغير ذلك، وتسبَّبت الزيادة الكبيرة في عدد المصانع بمزيد من الكوارث البيئية نتيجة الأدخنة الصَّاعدة إلى السَّماء، وتسبَّبت الرَّفاهية بالضَّرر على البيئة، وهو ما ساهم بالانتشار السريع للأمراض والأوبئة، وعدم القدرة على السيطرة عليها.

لقد فرض النظام الرأسماليّ العالميّ الاقتصاد الحُرّ، والمِلكيَّة الخاصة لِلفرد كأحد وسائل النجاة في هذا العالم المُزدحم، وهو ما تسبب باستغلال الموارد الطبيعة، لِصالح المال والأعمال، وهو ما يعني استغلال الحَجَر والبشر، والطبيعة والبيئة وكل ما يُمكن استغلاله، لِصالح التَّطوير المُستمر واللَّامحدُود، ولِصالح الرَّفاهية.

إن النظام الرأسماليّ العالميّ ظهر في أبشع صورة له عندما استثمر الرأسماليون وساسة العالم بكل ما يُمكن استثماره حتى بالإنسان نفسه، لِنجد أننا نعيش في منظومةٍ غاب فيها القانون والتَّنظيم، وإن صح التعبير، أصبح بنو البشر يعيشون في إِطار قواعد قانون الغاب أو قانون الحيوانات البحرية، فالاقتصادي الكبير يأكل الاقتصادي الصغير، والمال الكثير يأكل المال الصغير، والقوي يأكل الضعيف، وذلِك على مستوى الدولة والفرد.

إنَّ التفكير السلبيّ لِلعقل البشري القائم على أُسس الملكيِّة الخاصة، والاعتماد على الاقتصاد الحرّ، تسبب بنشر ثقافة الجشع والطَّمع، والاستغلال، حتى أصبح هذا العالم البائس أسيراً لِلرأسماليّة العالميّة، ما سهَّل استثمار مُعظم ساسة العالم والرأسماليين بالطبيعة، والكوارث، والحروب، والبيئة، والفقر، والمرض، على حساب الإنسانية.

لقدّ خصَّصت الرأسمالية العالمية مليارات من الدولارات لِصالح برامج التطوير التكنولوجيِّ لدعم الآلة وتطويرها واستخدامها في العديد من المجالات، على حساب الحاجات الإنسانية لمُعظم شعوب الأرض، وكذلك خصَّصت الرأسماليّة العالميّة المليارات من الدولارات لِتذهب لأهداف ضدّ الإنسانية، وضدّ الطبيعة، وذلِك دون تخصيصها لإيجاد الحلول لآلاف المشكلات البشرية كمواجهة الفقر، ودعم برامج الرِّعاية الصحية لِمواجهة الكوارث البيئية والصحية، أو لِمواجهة الأخطار النَّاجمة عن المُخلفات والتجارب البيولوجيّة، أو لِتخصِيص مزيد من الأموال لدعم برامج الأمن والسِّلم والسَّلام الدوليين والحد من مخاطر الحروب المُتزايدة، أو لدعم برامج للتنمية الاِجتماعية والصحية في العالم، وهو ما قد يُحقق مستوى مقبولاً من العدالة الاِجتماعية والاِستقرار المجتمعيِّ في مُعظم المجتمعات.

مهما كان مضمون التفسيرات لجائحة فيروس كورونا واقعياً أو غير واقعيِّ، فالواقع يُثبت بأن هناك فضيحة كبرى لِلبشرية قد وقعت، ألا وهي سطحية التفكير البشريِّ الذي اهتم بتطوير الآلة على حساب الطبيعة، والبيئة، والرِّعاية الصحية، وكذلك على حساب الإنسانية، واهتم بصناعة الأسلحة بِمختلف أنوعها، وفي المُقابل تناسى أثارها المُدمرة على الإنسانية.

إن ذكاء الإنسان سواء كان سياسياً، أو اقتصادياً، أو من عامة الناس، عاملاً، أو تاجراً، أو مستثمراً، طبيباً، أو أُستاذاً، أو عالماً، غنياً أو فقيراً، ليس مقياساً لِلنجاح والنجاة في هذا العالم البائس، وهو ما كشفته كارثة كورونا، وهو ما يحتم علينا الآن ضرورة التفكير الجماعيِّ والعمل المشترك لصالح المصلحة العامة لِلبشرية، وليس لِصالح المصلحة الخاصة، على اِعتبار أن تحقيق الغاية الصحية وتحقيق العدالة الاِجتماعية والاِقتصادية مطلب لِكل إنسان في هذا العالم، بعيداً من معتقده الدينيِّ أو السياسيِّ أو شكله ولونه.


بين الأغلبية من الفقراء والأقلية من الأغنياء، الرأسماليَّة ترسم خريطة العالم

ما قبل جائحة كورونا، كان العالم يسير وفق منظومة اِجتماعية، واِقتصادية لا رحمة فيها، ولا يتحقق فيها أيّ مستوى من العدالة الاِجتماعية والاِقتصادية والصحية، لقد أنفق العالم الكثير من الأموال على الصِّناعات عديمة الفائدة التي لا يستفيد منها سوى الأقلية الغنية، وكأن التاريخ لم يتغير بعد، فالأغلبية تعمل لِصالح الأقلية، والنخبة الاِقتصادية، والنخبة السياسية ما زالت حاضرةً بقوة، وكأن عصر سيطرة الاِقطاعيين، والنبلاء، ورجال الدِّين لم ينتهِ بعد وما زال العبيد يعملون مرغمين لِصالحهم.

فحِين تصل قيمة سيارة فارهة إلى 8 ملايين دولار، وهي تُصبح بذلِك الأكثر قيمة من صانعيها، فهذا إجحاف بحق الإنسانية والموارد الطبيعية، ففي مقابل تلك القيمة هناك ملايين من البشر يعانون الفقر ويموتون جوعاً في كافة أرجاء الأرض، ذلِك يعطي تفسيراً واحداً بأن الإنسان أصبح بلا قيمة في هذا العالم البائس، فأيّ عبث هذا الذي يتحدث عن دعم الاِقتصاد الحرّ والملكيَّة الخاصة لِلفرد، لتحقيق مستوى عالٍ من الرفاهية لِلأقلية الغنية، على حساب الأغلبية الفقيرة؟!

أيضاً، من المؤسف أن نجد ساعة يدّ تباع بسعر خياليِّ يصل 31 مليون دولار، تلك القيمة قد تغطي بناء مستشفى مُتكامل لعلاج أمراض السرطان، والأمثلة كثيرة في ذلِك. حقيقةً، نحن أمام مرض قد أصاب عقول الكثير من المستثمرين والرأسماليين، وهو أخطر من فيروس كورونا، ويُدلّل على أن الرأسماليِّة العالميِّة، قاتلة لِمَن حولها، وتبحث عن الثروة لأجل الثروة، وما نخشاه أن يستمر مسلسل الاِستثمار والاِستغلال لهذه الجائحة العالمية دون رحمة، على حساب الإنسانية والطبيعة.

بكل بساطة، تلك الرأسمالية القاتلة التي اِستغلت كل موارد الطبيعية، بِما فيها العنصر البشريِّ، لا يهمها كثيراً ما يحدث في هذا العالم من كوارث سواء كانت طبيعية أو غير طبيعية، والأهم هو اِستغلال الكارثة، وكسب المزيد من المال بكل الوسائل مهما كان نوعها، فكُل ما أنتجته الرأسماليِّة قاتل لِلقيم الإنسانية.

الرأسمالية لم تُصنَع لِلشعوب وإنما صُنعت لِلأقلية الغنية، وخلقت فوارق جديدة داخل المجتمعات، وهو ما أظهر طبقة جديدة في المجتمعات هي طبقة غير المنتجين وتشمل كلاً من المسنين، والمرضى، والمعدومين كالمشردين وغيرهم، وهؤلاء الأقل في الحصول على فرص النجاة في هذا العالم.

إن الرأسماليَّة كنظام وفكرة اِقتصادية، جاءت لِحماية طبقة الأقليات الغنية المُتمثلة بالنخبة الاِقتصادية والنخبة السياسية، من طبقة الأغلبية الفقيرة المُتمثلة بالشعوب بمختلف ألوانهم وأشكالهم،

في هذا العالم البائس لن نستطيع الخروج من الدائرة العفنة التي رسمتها الرأسماليِّة على مدار عقود من الزمن، إلا إذا كان هناك توزيع لِلثروات بشكل يُناسب الجميع، وتقديم للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، حتى يُمكننا التَّعايش بسلام على هذه الأرض، ولو لفترة زمنية يُسجل فيها التاريخ سلاماً حقيقياً على هذا الكوكب.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/21/2026 11:56:00 PM
غراهام: على ترامب المضي ضد إيران والتراجع سيكون كارثة… والمنطقة على أعتاب تغيير تاريخي
العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.