لاحظ رومان وهو يدخل الغرفة الصغيرة المُخصّصة له في فندق "ريلا" أنّها تكفي للغرض، بعدما وصل في وقت متأخر من الليل الى مدينة صوفيا، ليجد دليله السياحي في انتظاره عند أول شارع يوري فينيلين. وسط المدينة النابضة بالحياة والعابقة بذلك الجوّ الفريد من الجمال الأوروبي والمتنوع عرقيا.
انه قادم في مهمّة استثنائية، فهو لا يٌعد سائحا، ولم يأتِ الى هذا البلد بلغاريا، لاكتشاف معالمها السياحية وزيارة المتحف الأثري أو رؤية كنيسة القدّيسة صوفيا الأكثر شهرة بالمدينة، لكنه عازف رحّال ومصوّر فوتوغرافي قادم من بلده فرنسا لجمع صوابع البيانو الأوروبية، هوايته التي استمرت سنين في العثور على المنازل والقلاع المهجورة حيث تركت البيانو القديم خلفها.
كان قد وضبّ أغراضه القليلة وحشرها في خزانة بالغرفة، ثم اتصل هاتفيا بميشال ليحدّد معه تفاصيل اللقاء في صباح الغد. انه الشخص الوحيد الذي يتوقّع ان تنطلق معه رحلته القصيرة هنا، للوصول الى المكان المنشود بعد أن تواصل معه ليومين أو اكثر قبل مجيئه، فقد حدّثه مرات عدّة عن منازل مهجورة تركها أهلها عقب الحرب العالمية الثانية وبعد تحرٍّ وتقصٍّ مُكثف حدّد له مكانا وُجد به بيانو قديم.
الشمس عالية في كبد السماء، والمكان بعيد عن المدينة بمسافة ساعة، قضاها رومان طوال الطريق وهو شارد في تلك الصور التي التقطها بكاميرا تصوير احترافية، تمتلك الكثير من المميّزات والذي ساعده اقتناؤها على التطّور في مجاله، فكان يحملها دائما في حقيبة كتف سوداء.
يمرّ الوقت من دون أن يلاحظ ذلك. بينما ميشال يرشد سائق الاجرة وهو مزوّد بخارطة الى وُجهتهما حيث يقبع منزل مهجور لعائلة مفقودة ابّان الحرب. ثم هتف:
- هذا هو المكان... لك ان تتوقف!
ردّ السائق بلهجة ودّ:
- حذارِ سيدي، هذا المكان لا يخلو من بعض المتشردين وأفراد العصابات. يجب ان تتوخّ الحذر انت ورفيقك.
ابتسم ميشال قائلاً:
- لا تقلق... أشكرك.
في الأثناء، كان رومان يبتسم متأملاً المكان. ومن ثمّ نزل مباشرة من السيارة متجّها صوب المنزل، وعيناه تشردان في كل التفاصيل. لم ينتبه الى أنّ السماء قد باتت سوداء، بدات تمطر. قطرات كبيرة راحت تنقر وجهه. وتبلل قميصه الأزرق.
- انتبه رومان... لا تدخل المنزل حتى نتأكد ان لا مخاطر بالمكان!
صاح ميشال، وهو يتبعه من الخلف، ويقوم بمهّة الاستطلاع مع انه يعرف المنطقة، لكنه شعر بالقلق لاندفاع رومان، الذي كان بوسعه أن يشمّ في المطر، رائحة ازهار الشجر المحيطة بالمنزل وهو يجتاز السور القصير.
ناور رفيقه ولم تكن لديه اي فكرة عمّا ينتظره. هو الذي أمسى مقتنعا بذلك الشغف الذي كان له تأثير السحر عليه. فقط كان فؤاده قد اتخذ مساراً قوسيّ الشكل. في بعض الأحيان، كان يُخيّل اليه انه يستمع الى نقرات البيانو. لقد حفظ عن ظهر قلب أشكالها ونوتاتها وحتى رائحتها.
بوسعه الآن أن يتبع أثره على بعد مسافة معيّنة، كأنه يشير اليه من النافذة النموذجية المتربعة بشكل معماري قديم. مُطلّة على كومة اثاث بالي ورزم مكونات عديمة الفائدة. يوجد مئة شيء مبعثر في الحديقة التي تتوسطها بركة صغيرة متعفنة. شاهدة على قسوة الزمن حين تمكث الأشياء بعد ان يغادرها الناس.
حتى وهو يفكر في هذا الأمر. كان كلّ ما ينبغي له ان يفعله هو أن يعيد للبيانو الحياة دون تسلسل زمني، العائد له هناك بمفرده بمعزل عن عروضه السابقة. ربما بعضها على خشبات مسارح في حقبة من الزمن.
تعقّبه ميشال ببطء، واشتبكت خطواته ببعض الحجر المستلقي في بهو المنزل. كان رومان قد بلغ الباب ودفعه بحذر لتستقر قدميه على أول عتبة تبدو لاول وهلة مُزخرفة مع بقايا مرمر محطم.
انه عاقد العزم على الظفر بما سافر من اجله، وهو يمرّ الى القاعة الرئيسية. صار يحدّق في لمحات من الفخامة التي لفتت نظره من خلال اللوحات المنحوتة في السقف وبعض الأعمدة الرخامية المزركشة. لكنه يعلم جيدا انه ما من احد يرتاده ليسبقه اليه.
"ربّاهُ. هذا الشيء القديم!"، انبرى قائلاً وهو يتخلّى عن حذره.
استغرق الامر لحظات حتى بلغ مبتغاه. اخيرا وجده. ها هو مُكوّم في ركن قصيّ.
"يا للهول... انه تحفة جاثمة هنا"، قاطع ميشال اخيلته الجامحة وهو يراهن انه لن يكون آخر كنز يعثر عليه.
يومئ رومان برأسه. يقلب نظره اكثر في البيانو. الا انه مذهول وهو يستنشق نفسا عميقا، ويشعّ سعادة غير مقصودة.
ثم مسك كتفي رفيقه قائلاً: "شكرا. ما كنت لأجده بمفردي".
انه بيانو قديم بنيّ اللون، أطرافه متاكلة بعض الشيء. انحنى رومان وأمعن النظر فيه. عقب ذلك اخرج الكاميرا وألتقط أول صورة. تصلبّ حين بدأ يتأمله أكثر وغشيت عينيه غبطة عارمة.
إنّها صورة ذاهلة لآلة مطموسة في عتمة الوقت. وفي ما بعد سيهجرها. لا يعرف كيف بوسعه ان يتركه لولا هذه الصور. توقف هنينة عن التصوير. كان يودّ ان يظلّ يحدّق فيه الى أن يبوح بأسراره له.
ربما يمنحه دعماً استثنائياً حين يضع انامله على لوحة المفاتيح الباهت لونها، حتى ينصهر معه بعناية دون أن يلطخه ببصماته. فلا يبقَ غير بياض مُشتّت ومُنحدر من اصابع ظلت معلّقة في الهواء لا تنسل الى قدرها انما مُعتقلة في زمن مهجور يشي بدفقة باردة من الكآبة مع رطوبة المكان.
شرعت أصابع رومان تتدحرج أكثر على المفاتيح. كانت رغبته الجارفة في العزف أقوى. انه ليس التوق لمعزوفة ما. بل غضب مباغت، وربما رأفة قادرة على الالتفاف بهذه الآلة الساكنة ليوقظها من سباتها الطويل.
انه الابتهاج والذنب يهزّان كيانه، حين ارتفع صدى النقرات وبدأت تسحبه الى معزوفة بيتهوفن.
نبض