16-03-2020 | 23:41
في ضرورة الحفاظ على موقع نهر الكلب العتيق: 24 نقشاً أثرياً ليست ملكاً للبنان وحده
في ضرورة الحفاظ على موقع نهر الكلب العتيق: 24 نقشاً أثرياً ليست ملكاً للبنان وحده
Smaller Bigger

في الطريق من جونيه إلى بيروت، لفتتني حفريات ضخمة تَشُجُّ الصخر على مستوى نهر الكلب بعنف لا تُحمد عُقباه. سآلني المنظر وأثار حفيظتي بوصفيَ عالم آثار مدركاً لأهمية تراث بلاده، غيوراً عليه مسؤولاً عنه. سارعت إلى الموقع فوراً، ولما وصلته هالتني المفاجأة، أقلقت أفكاري وهزّت مشاعري. إذ رأيت أربع جرّافات عملاقة تُعْمِل مخالبها الحديدية في سفوح جبلنا الوادع الجميل، وتُمْعِن فيها فجّاً وشطباً وبَضْعاً، بهدف اقتلاع الصخور. ولما نظرت إلى أسفل، وجدت أن إحداها قد جوّفت في الهضبة التاريخية العريقة في القدم التي تعلو نهر الكلب، عمقاً بلغ ثمانين متراً أي ما يوازي حجم الصخرة برمّتها. أما ما كان أخطر من التشويه الذي لحق بالموقع الطبيعي البديع وبفصائله النباتية المعمِّرة العائدة إلى الحِقبة السينومانية من تاريخ الأرض، فتمثّل في أن الأشغال المشار إليها توّاً اصطخبت مباشرة في جوار الكنوز الآثارية النفيسة والذائعة الصيت في هذا الموقع النبيل الأصل الذي يشكّل متحفاً في الهواء الطلق، قلّما نجد لفرادته مثيلاً على ضفاف حوض البحر الأبيض المتوسّط. ألا يوشك موقعُ نهر الكلب المصاب جراء هذه الأشغال بالأضرار البالغة أن يفقد حظوظه في المثول على لائحة المواقع الأثرية المزمَع حمايتها وصونها لدى الأونيسكو؟

عندما وصلت رأس الهضبة، دُهشت لمنظر المستطيل الشمسي يلامس حاجزاً مشبكاً، بَخْس القيمة، سَهْل المكسر، يفصل بين أعمال التنقيب والمنطقة الآثارية. إذ، وعلى بعد قَلّت مسافته عن أربعين متر، تنتصب لوحتان حجريتان من أكثر اللوحات الحجرية قِدماً ومهابة في المكان: واحدة فرعونية، أودعنا إيّاها رعمسيس الثاني، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد؛ وأخرى آشورية، عائدة إلى عهد أسرحدّون ملك آشور الذي مرّ من هنا في القرن السابع قبل الميلاد.

كان الإغريق والرومان يطلقون على نهر الكلب اسم "ليكوس" (الذئب) والآشوريون والفينيقيون "بعلِ راسي" (أي رأس الإله بعل المقدس). وإن كان النهر يهرول ليرمي بنفسه في البحر القريب، فإن ارتفاع أَجْرُفِه العمودية بلغ ثمانين متراً، فشكّل عقبة طبيعية قادرة على صَدّ تقدم أي جيش عرمرمي جرّار وأي غاز محتمل. تعاضد البرّ والبحر لسَدّ الثغرة في هذا المجاز العسير. مع ذلك، وفي كل مرة كان أحد ملوك البلدان أو حكام الولايات الصغيرة يجد سبيله إلى اجتياز رأس "الليكوس" الصخري، كان يخلّف وراءه، ناقشاً في الصخر كمن يدوِّن في كتاب ذهبي، دمغته وخاتمه. وبالتالي، فإن كل الغزاة الذين عرفهم التاريخ، أبدَوْا فائق احترامهم لهذا الموقع النبيل الأصل والرمزية، وسجّلوه في الصخر شهادة لا تمحى.

أواخر القرن السابع، كتب الفارس لوران دارڤيو (Laurent d’Arvieux) يقول: «كنت، عندما يكون البحر رائقاً، أرى في رأس خليج خلاب، منحوتة لكلب ضخم، أقدم العثمانيون على تحطيمها وقذفوا بها بين الأمواج المتلاطمة. والعجيب في الأمر، أن المنحوتة ما كانت لتكُفَّ عن النّباح، ما أن تلحظ في الأفق الجيوش العادية باتجاه الشاطئ. كانت صرخاتها الصّارّة الثاقبة تقطع المدى، سابحة في البعيد حتى تصل إلى مسامع أهل قبرص». إن هذا الموقع المغطّى باللوحات الحجرية والنقوش القديمة وبتلك الأكثر حداثة منها، يتوزع في مجموعتين: إلى يسار النهر، تنتصب معظم اللوحات الحجرية والنقوش، وإلى اليمين تقف منقوشة واحدة وحيدة، غير أنها من أكثر أطلال الماضي قيمة. وإلى الأهمية الآثارية والتاريخية والجمالية لهذه اللوحات المؤلَّفة تضاف أهمية أدبية وأسطورية. وبناء عليه، نكتشف إلى يسار النهر لوحات حجرية فرعونية مصرية أقدمها تلك التي تركها رعمسيس الثاني.

لوحات حجرية فرعونية

تعود أقدم هذه اللوحات إلى رعمسيس الثاني؛ فهي تظهره متعبّداً الإله بتاح، إله مَنَف (ممفيس)، إله الاحتفالات والنحت والعِدانة (صناعة المعادن) والنِّجارَة وتَرْسانات صناعة السفن. غير أن هذه اللوحة استبدلت ويا للأسف في العام 1861 بنُصُب يخلّد ذكرى نابوليون الثالث. ومَنْ صعِد الجُرْف، لقي لوحة أخرى عائدة هي أيضاً إلى رعمسيس عينه، يظهر فيها مضحّياً بواحد من أسْراه لإلهه المعبود راع هرمكيس، منتصب القامة، يسهل التعرّف اليه لرأس العصفور الذي يعلو جسمه ولاعتماره تاجاً على شكل قرص شمسي. ومن تقدّم صعوداً أربعين متراً، وجد رعمسيس هو نفسه مضحّياً بأسير للإله طيبة الأسمى، آمون راع، المعتمر ريش الطيور. وثمّة في الموقع أيضاً، لوحتان حجريتان مستطيلتان يَمْثل فيهما الملك الآشوري آشورناصربال الثاني (القرن التاسع ق.م.)، في جوار ابنه شَلْمَنَصْر الثالث (القرن الثامن ق. م.)، وقد اعتمر التاج المخروطي، ورفع يده في إشارة عبادية. كان آشورناصربال قد ظفر في العام 842 من ملك دمشق حزائيل وحفر في الخاصرة الصخرية لنهر الكلب نصره هذا قائلاً: "نزلت حتى وصلت جبال بعلِ راسي المطلّة على البحر، لأرفع تمثالي الملكي. فأتاني الصوريون والصيداويون وياهو، ملك إسرائيل المتحدر من عمري، وقدموا ليّ ضرائبهم (إتاواتهم)" وإن تقدمنا صعوداً، وجدنا تَمَثُلَيْن للملك الآشوري أسرحدّون (القرن السابع ق.م.)، منحوتاً بطريقة تظهر جانبيته، متدثراً بثوب طويل فضفاض، ومعتمراً التاج المخروطي، ومؤدياً تحية المصلّي المتعبّد. غير أن الأهمية الأدبية والتاريخية لهذا التمثيل تكمن في وجود نصّ منقوش على جسم الملك ومتجاوزه على اللوحة، وهو نصّ وجد علماء الآثار عنه نسخة طِبق الأصل في مدينة شَمْأَل (أي زنجيرلي في تركيا حالياً) كما في تلّ الأحمر الواقع على الضفّة الشرقية لنهر الفرات. وإذ اعتمد الخط المسماري، يسرد هذا الملك حملته على مصر في العام 671، مشيراً إلى استسلام صور وعَسْقَلان كما وإخضاعه لاثنين وعشرين ملكاً، قائلاً: "التقطته كما ألتقط سمكة، وأخرجته من الماء ثم ضربت عنقه". كانت الهزيمة مصير ملك صيدون هو الآخر الذي اضطر إلى الفرار إلى قبرص. وثمّة وجوه آشورية أخرى، غير أن الزمن وتهاون البشر تضافرا لإتلافها.