بعد 20 عاماً على فوز طوم هانكس بالأوسكار عن دوره كمريض ايدز في فيلم Philadelphia، حان وقت ماثيو ماكونهي ليوزن اداؤه البارع لشخصية مريض نقصان المناعة، بذهب تمثال اوسكار بعد جائزة الغولدن الغلوب التي حصل عليها عن شريط Dallas Buyers Club.
من خلال سيناريو كريغ بورتن وميليسا والك، نجح المخرج الكندي جان مارك فاليه في فيلمه الأميركي الأول، في أسرنا مشهدياً وانسانياً بروايته هذه القصة المؤثرة والعالمية رغم انها تنطلق من حكاية فرد واحد. انها دراما من نوع السيرة الذاتية المبنية على وقائع حقيقية، بطلها ماثيو ماكونهي مختلف لم نره من قبل. بجسده الشديد النحول الذي أخضعه لحمية جعلته يخسر نحو 20 كيلوغراماً من وزنه، يقدم ماكونهي حكاية الكاوبوي التكساسي رون وودورف الذي يكره مثليي الجنس ويعشق الحياة والكحول والمخدرات والنساء. رون يعيش في حقبة منتصف الثمانينات التي تميّزت بظهور مرض الايدز في مجتمع مذعور يشبّه من يحملونه بالمصابين بالطاعون. عندما يكتشف انه مصاب "بمرض المثليين" وان ايامه باتت معدودة يثور ويرفض الاعتراف به، قبل أن يتأجج بركانه مجدداً بالغضب لعدم قدرته على تحمل تكلفة العلاج الذي لن يلائمه، فيقرر الكفاح ومحاربة الاطباء والصيادلة وسماسرة الدواء، من خلال تهريب دواء اختباري غير مرخص من المكسيك الى تكساس. العلاج يخفف اعراض مرضه ويتمكن من خلاله من مساعدة كثيرين ممن كان ينبذهم طوال عمره، مثل صديقه الجديد المتحوّل جنسياً رايون (جاريد ليتو). كل ذلك بمساعدة الطبيبة المتعاطفة (جنيفر غارنر). لأسباب كثيرة يستحق هذا الفيلم ترشيحه لأوسكار افضل فيلم، أبرزها بطلاه اللذان استحقا الفوز بأوسكاري التمثيل ليل الاحد 2 آذار الجاري. بالشكل الخارجي والمضمون ماثيو وجاريد بارعان باسلوب استعراضي مبهر. ماثيو يصعب التعرف إليه بنحوله المخيف، وادائه المزلزل لرجل يشن معركة بقاء على قيد الحياة وانتصار على المرض وعلى العنصرية والافكار المسبقة التي كان فريسة لها. معركة شيطان سيغيّر اسلوب حياته للأفضل بفعل تجربته المؤلمة، من دون ان يصبح ملاكاً كاملاً. أما جاريد ليتو فصادم ومقنع تماماً بماكياج المتحول جنسياً وثياب المرأة وهشاشة الانثى وضعفها. رون ورايون مختلفان تماماً، الاول ذكوري متعصب والثاني انثوي طيب وحنون. رون الذي يشعر بالنفور من اسلوب حياة رايون، يصبح في النهاية صديقه الحميم. علاقتهما القوية اخذت وقتها لتتطوّر ببطء مقنع من الاحتقار والنفور الى التقبّل والصداقة، ولذلك هي من ابرز نقاط قوة الفيلم لأنها تظهر مدى موهبتهما وقدرتهما على التلوّن حسب المرحلة. أما الاخراج فبرع في إدخال كثير من الطرافة حين يحتدم التوتر الدرامي، وفي تطعيم الموضوع القوي بكثير من المواقف المؤثرة، من دون ان يتخلى عن الاحترام والذكاء في التعامل مع القصة. لقد احسن المخرج بالابتعاد عن الميلودراما وعن محاولة اشعارنا بالشفقة التي يرفضها رون تماماً. كما تمكن من الامساك بكل تفرعات القصة وشدها في لحمة واحدة، رغم الخطوط العديدة المعقدة بين اجراءات طبية وتساؤلات قضائية وصفقات تجارية، ورغم الشخصيات الكثيرة التي تدخل وتخرج من الحبكة وإليها.
نبض