إلى متى سيظل المجتمع يجلد المرأة بعاداته وتقاليده المشينة؟!
Smaller Bigger

أدرك تمام الإدراك أن هذا العام كان عاماً للمرأة حيث تمكنت فيه من تولي مناصب عديدة في شتى المجالات لاسيما المناصب القيادية مثل الوزارات والمحافظات، ولكن مقالي هذا لن يستهدف هذه الفئة من السيدات، إنما أقصد المرأة البسيطة، وهذه المرأة لها قوالب عدة وأنماط مختلفة مثل: ربة المنزل، المرأة العاملة، المرأة الثلاثينية، المرأة المطلقة، وأخيراً المرأة التى يغترب زوجها من أجل لقمة العيش والتغلب على متاعب الحياة وصعوباتها.

كل هؤلاء السيدات ينلن كل يوم نظرة من المجتمع، تدفعهن إلى لفظه وبغضه، ولكن في نهاية الأمر يعدن للتعامل معه رغماً عنهنّ بسبب أوضاعهن الاجتماعية وأحوالهنّ المعيشية.

ويبقي السؤال: إلى متى سيظل المجتمع يجلد المرأة بعاداته وتقاليده المشينة؟!

ربة المنزل: ينظر إليها المجتمع على أنها امرأة مهمّشة ليس لها دور في الحياة سوى البقاء في المنزل من أجل تربية الأبناء فقط لا غير، فقد تكون أفضل سيدة على الإطلاق، لأنها تؤدي رسالة سامية ودوراً عظيماً وهو تكوين نشء يصلح لتكوين أسرة فيما بعد، وخلق جيل سينخرط في هذا المجتمع وسيعمل دائماً علي تقدّمه والارتقاء به، إلى جانب القيم والمثل العليا التى يتشربها الفرد منذ نعومة أظافره ويعود مصدرها دائماً إلى الأم، وتبقى الأم هي الشخص الأول الذي يفتح الطفل عينيه عليه، وتظل هي السبب الوحيد في اكتساب الصفات الحميدة وتكوين شخصية متزنة سوية.

ويعاب على المجتمع أن يترك كل هذا جانبًا وينظر إليها نظرة دونية بسبب عدم حصولها على مؤهل تعليمى أو لأنها تُنسب إلى طبقة متوسطة الحال.

المرأة العاملة: تتعرض للمضايقات أكثر من الكل، فقد تقهر من مدير يعتنق مذهب أن المرأة مكانها البيت، مما يترتب عليه من تعسف وظلم يقع عليها، تدبر المكائد للإيقاع بها والتخلص منها من جانب زملاء العمل، افتعال حيل لاقتناص ترقية رغم أحقيتها بها، ويبقى الشارع الذي يسيء إليها دائما بتلميحاته البذيئة وإيماءاته المبتذلة التى لا تمت للرجولة بصلة. فما زال المجتمع لا يحترم المرأة التى تخرج إلى سوق العمل ويرفض مساواتها بالرجل ويتهمها بأنها تزيد من ظاهرة البطالة لأنها تتولى وظائف كان عليها أن تتركها للرجال؟!

وما زلت أتساءل عن أي رجال تأخذ المرأة مكانهم في مجال العمل. هل هم الرجال الذين يجلسون في المقاهي ليل نهار ويدخنون السجائر بعدد أنفاسهم التى يتنفسونها؟!

فتاة الثلاثين: وهي أكثر أنماط السيدات التى تتعرض لبطش المجتمع وينهال عليها بسياطه التى لا ترحم لمجرد أنها تجاوزت سن الثلاثين ولم تتزوج بعد.

ويبقى السؤال الذي ينهش رأسي فكراً: ما الذي عليها أن تفعله ولم تقم به؟! هل كان عليها أن ترتمي في أحضان زيجة فاشلة وشخص يتضح لها وضوح الشمس أنه غير مناسب، ومع ذلك تتزوجه لأن المجتمع اختار لها رقم مصاحب للقب عانس، وعليها تتزوج قبل مروره وإلا لا تلوم إلا نفسها؟!

لماذا لايرتقي فكر المجتمع إلى أن الله لم يكتب لها الزواج بعد، وأن القدر قد قدر لها أن تحقق نجاحها الخاص قبل أن تخطو هذه الخطوة؟!

قِس على ذلك إذا تزوجت أخرى ولم تنجب لاسيما بعد مرور عام على زواجها، فيبدأ المجتمع في اختراق الخصوصية وطرح أسئلة فضولية أهمها: من السبب؟!، وعلى الأغلب تتحمل المرأة المسؤولية لأنها في نهاية الأمر امرأة، ولا يصح أن يعاب الرجل بعدم الإنجاب. وإذا أنجبت ورزقها الله ببنتين أو أكثر تلام المرأة على عدم إنجاب صبي، فقد يصل الأمر إلى حد تحريض الزوج على زواج بأخرى لكي تنجب له ولداً، مجتمع لا يعجبه العجب ولايرحم في كل الأحوال.

المرأة المطلقة: مجرد أن تنطق حالتها الاجتماعية وقبل أن تنتهي من لفظ مطلقة، يفتح الباب على مصراعيه أنها أصبحت مباحة لكل الرجال.

وتتوالى عليها نظرات خبيثة تحمل في مكنونها الكثير من الإساءات.

ويبقى السؤال الذي يدق رؤوس المطلقات: هل علينا ألا نطلب الطلاق ونتحمل العديد من الإهانات حتى لا نتعرض للبطش الخارجي، فعلى الأقل في الداخل يوجد رجل واحد بينما في الخارج يوجد معشر من الرجال؟!

ومهما حاولت إظهار سلوكيات معتدلة وتصرفات محترمة وتجلت حركاتها بحسن السير والسلوك، يأتى إليها المردود في الحال بلفظ "أنت مطلقة". يظنون أنها ترتدي قناعات العفة وتتظاهر بالأدب، حقاً مجتمع مكتظ بالخزعبلات والأفكار المتخلفة وسوء الظنون والشكوك، فمهما حاولت أو بررت لن يجدي نفعاً مع عالم مريض فكرياً ومعقّد نفسياَ.

المرأة المغترب زوجها: يسلط عليها الضوء جيداً وتظل محل انتقاد من حولها وتبقى تصرفاتها تحت الميكروسكوب، فالمجتمع يتربص بها على غلطة وينتظر منها هفوة حتى تلقى عليها الإشاعات، وترمى عليها الاتهامات التى تتضمن تهورها وسقطاتها بسبب غياب زوجها، فتنطلق الكلمات كالرصاص بأنها ستتصرف وفق هواها لأنه لا يوجد من يحاسبها على تصرفاتها، فقد يصل بها الأمر في نهايته أن تنتقل من عش الزوجية إلى مسكنها العائلي حتى تحتمي به من ألسنة مجتمعها الجاحد، فحتى التي توفي زوجها لم تسلم من ألسنة الناس، مجرد أن يلمحها الآخرون في الأماكن العامة تصبح مجالاً للنقاش الذي ينتهي بأنها تبحث عن عريس وتريد الزواج مرة أخرى، فلا نلتمس العذر لها ونقول إنها خرجت لزيارة طبيب أو شراء احتياجاتها الخاصة، فدائماً الفكر السيئ يسبق الفكر الصائب، وتميل رؤوسنا إلى الشر قبل الخير، فسوء الظن يسبق حسنه وكذلك سوء النوايا.

هذه خمسة نماذج لسيدات تعرضن لبطش المجتمع يومياً، وهناك أيضا حالات أخرى تتوارى في زحام الدنيا وتتخفى في هموم الحياة، فكل امرأة لديها حكاية مع المجتمع تجعلها تلهث إلى بيتها ركضاً حتى تغلق عليها باب بيتها لتحتمي به، فهي ترفض التعامل مع العالم الخارجي رفضاً كلياً لا يقبل النقاش، فلولا الظروف التى تفرض عليها التعامل والخوض في بحر من السلبيات التى لا ينتهي، لما خرجت من بيتها.

فعندما نتحدث عن امرأة أصبحت وزيرة، هذا لا يعني أن المرأة قد نالت كافة حقوقها وتمكنت من تحقيق أحلامها، إنما من الممكن أن نقول إن الوزيرة نشأت في مجتمع أفضل من مجتمع المرأة العادية، وإنها انبثقت من طبقة تعي جيداً أهمية العمل بالنسبة لها بعكس الطبقات التى يستحوذ عليها الفقر والجوع. فالوزيرة تخرج من رحم عالم راق متحضر يعاملها بلطف عكس العالم الذي يحيط بمن هم ينتمون إلى طبقة متوسطة وفقيرة، فعمل المرأة كوزيرة ليس معياراً لإنصاف المرأة بشكل عام، إنما هي حالة فردية تخالف الأغلبية الساحقة من السيدات اللواتي يشتكين من المجتمع وبطشه وظلمه.

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال 5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان 5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...