.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
إن أردنا تعريفاً سويّاً للثورة، فيكون أنّ الثورة هي مرحلة انتقاليّة بين نظام قديم يندثر ونظام جديد يتأسس، وبالتالي لا تحصل ثورة بالمفهوم المذكور إن لم يتوافر برنامج وريادة، فيكون الانتصار على قدر تحقق المرام، ولا تحصل ثورة بالمفهوم ذاته إن سادت الفوضى بارتداداتها الحتميّة والسلبيّة على أيّ نظام جديد ومأمول، فيخسر الجميع وفي مقدّمهم الوطن.
من المعتمد أيضاً، على ما كان يقول نابوليون، أنّ ثمّة فئتين من الناس في الثورات، فئة تصنعها وفئة تستفيد منها، بحيث يكون الصانعون، من حيث يدرون أو لا يدرون، في خدمة مشاريع المستفيدين.
إلا أنّه يبقى أنّ أقسى ما قيل في الثورات فإنّما أتى على لسان الفيلسوف الإغريقي أرسطو من أنّ أصحاب الفضائل لا يقومون بالثورات لأنّهم دائماً أقليّة في الشعوب. أما الكسندر سولجينتسين فأقرّ بأنّه فهم كذب الثورات في التاريخ، إذ هي تكتفي بإزالة أصحاب الشرّ ممن تُجايل، كما أصحاب الخير في تهوّرها، إلا أنّ الشرّ يعود كإرث ثقيل ومضاعف إليها. إنّ أسطع وأحدث دليل على صحة هذين القولين، على قسوتهما، هو ما سُمّي "الربيع العربي" والثورات التي نشهد.
بصراحة كليّة، لست في معرض إنكار ما أتاه الحراك في لبنان من دعم ميداني وشعبي مباشر لعناوين الإصلاح، كي تصبح هذه العناوين واقعاً ملموساً، ذلك أنّ الشعب الذي يعاني إنّما يعبّر عن معاناته بالوسائل المتاحة في دائرة القانون والحريّات العامة، كالتجمّع (التظاهر) والتعبير عن الرأي. إنّ ما أرنو إليه في هذه المقالة هو مجرّد تحذير الحراكيين أو الثوار مما سبق إيراده من آراء قيّمة عن الثورات في العالم، مضيفاً أنّ الثورة غالباً ما تأكل أولادها إن لم يحسنوا إدارتها وترقّب مفاعيلها ومواكبتها، وهي لن تكون ثورة إن تعاملت بالتسلّط مع الناس، من أصحاب الشرّ أو الخير معاً، فتمنع عنهم الحريّات من خارج دائرة القانون وتنشئ لدى المستهدفين ردّات الفعل، عن حقّ أو خطأ، فيأتي الكلام المباح أن لا حريّة لأعداء الحريّة، ويضطرّ الأمن المؤسساتي والقضاء إلى التعامل مع هذه الظواهر المتفلتة والمختزلة الحريّات، حفاظاً على حقّ التظاهر السلمي وسائر الحريّات العامة بالتساوي، كحريّة التنقل المنصوص عنها في المادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة، هذا الميثاق الذي تعطف عليه مقدّمة دستورنا.
إنّ أيّ عمليّة تقويم لتداعيات الحراك أو الثورة راهناً قد تكون مبكرة إن رغبنا في مقاربة موضوعيّة لها، إلا أنّه من الظاهر للعيان أنّ الثورة أو الحراك قد ساهما في تأزيم الحالة المرضيّة اللبنانيّة، وهي حالة نقرّ معاً، أو هكذا يجب أن يكون، أنّ الفساد المؤسساتي والمستشري في مرافق الدولة، إنما هو أحد أسبابها، لا بل من أهمّ أسبابها، وهو فساد قديم ويعود إلى ممارسات من حقبة الاستقلال ومتجذّر في الممارسة ومحصّن بالإفلات من المساءلة والعقاب، وموروث من عهد رئاسي عنوانه الإصلاح، بعد أن حصل التغيير، حتى إن وجد أحدنا في هذا العهد، وقد انتصفت ولايته زمنيّاً، أيّ مظهر من مظاهر الفساد طالب الرئيس بقوّة وإصرار وصدق وتصميم بأن يصار إلى الاقتصاص من الفاعل قبل سواه من المرتكبين، فيتحقق في ذلك هدفان معاً: السبق في الملاحقة في دار العهد، ورفع الحصانة بالتساوي عن كلّ مرتكب إلى أيّ أفق سياسي أو مناطقي أو مذهبي انتمى. انّ من سوّاك بنفسه ما ظلمك، مع الإقرار المسبق، على ما يقول الرئيس، بأنّ الفساد ميثاقي بامتياز، لأنّ المرتكبين الفاسدين ينتمون إلى كلّ المذاهب والطوائف والمناطق، فتتحقق الميثاقيّة في الارتكاب والملاحقة والعقاب، وينتفي الاستهداف المتحيّز، ما من شأنه أن يحول دون ارتفاع أصوات التحصين المذهبي والطائفي للمرتكبين الفاسدين من الملاحقة.