.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
مبادرة مواطنية من أجل لبنان
دين القطاع العام في لبنان غير مستدام. في هذا الإطار، وتماشياً مع الخطة التي أطلقناها أخيراً بعنوان خطة عمل من عشر نقاط لتفادي عقد ضائع، نوصي بأن تطلق الحكومة مجهوداً شاملاً لإعادة هيكلة الديون بشكل يُراعي قدرة القطاع العام على تحمّله. سيكون من الخطأ استخدام الاحتياطي الشحيح من العملات الأجنبية لتسديد دفعات سندات اليوروبوندز التي تستحق مستقبلاً. والمقاربة المطروحة، التي تقوم على إعادة الهيكلة عبر التفاوض بشأن كل استحقاق (Eurobonds)على حدة، ليست سوى تأجيل المحتوم، فضلاً عن كلفتها الباهظة وعدم فاعليتها. وان إعادة هيكلة الديون السيادية ليست بإجراءً غير مسبوق، وثمة ممارسات فضلى في هذا المجال. ولكن من أجل أن يتكلل المجهود بالنجاح، يجب أن يكون جزءاً من برنامج اصلاح مالي واقتصادي لتحقيق الاستقرار.
ما هو حجم الدين اللبناني؟
لقد أفضت العجوزات الحكومية المتكررة إلى تراكم استثنائي لديون القطاع العام. فقد ارتفع إجمالي الدين من 25 مليار دولار في عام 2000 إلى 90 مليار دولار بحلول نهاية عام 2019، أي ما يساوي 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويحتل لبنان اليوم المرتبة الثالثة بين الاقتصادات الناشئة الأكثر مديونية في العالم.
نعتقد أن حجم الدين سيسجّل مزيداً من الارتفاع في السنوات القليلة المقبلة. صحيح أن حجم الدين بالليرة اللبنانية سوف يتقلّص نتيجة تراجع سعر الصرف، ولكن ستطغى عوامل سلبية أخرى أوّلها اضطرار الحكومة إلى الاستدانة مجدداً من الخارج لتمويل عجوزات القطاع العام في السنوات القليلة المقبلة. وغالب الظن أن إعادة رسملة المصرف المركزي ستكون باهظة الكلفة أيضاً. أخيراً، سوف يتقلص حجم الناتج المحلي الإجمالي، عند احتسابه بالدولار الأميركي، بسبب تراجع قيمة الليرة بما يؤدّي إلى ارتفاع معدّل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. بناءً على ما تقدّم، وإذا لم تتم إعادة هيكلة الدين العام في لبنان، فسوف يصل إلى الذروة مع تسجيله مستوى أعلى بكثير من نسبة الـ150 في المئة المشار إليها آنفاً.
هل الدين اللبناني مستدام؟
الجواب هو كلا. حتى قبل احتساب الزيادة المتوقعة في الدين، سوف تمتص كلفة خدمة الدين الحالي ربع الناتج المحلي الإجمالي، وهذه الكلفة هي في الواقع أكبر من مجموع الإيرادات الحكومية. لا شك في أن عبء خدمة الدين في لبنان ليس ظاهرة جديدة. وتقوم المقاربة المتّبعة حتى تاريخه على الاستدانة لتسديد خدمة الدين سنوياً وإضافة هذه المبالغ إلى الدين الحالي. ولكن من المستبعد إلى حد كبير أن تتكرر هذه المقاربة في المستقبل. أولاً، من شبه المستحيل أن تتمكن الدولة اللبنانية، في المستقبل المنظور، من أن تستدين من الأسواق المالية المبلغ الجديد المطلوب لخدمة الدين الحالي. ثانياً، حتى لو كان اقتراض المبلغ ممكناً، فسوف يُضاف إلى مستوى الدين الذي يسجّل أصلاً مستويات مرتفعة على نحو استثنائي.
ما هو مستوى الدين "الصحيح" في حالة بلدٍ مثل لبنان؟
المؤشر الأفضل لتوقّع التعثّر عن السداد في الاقتصادات الناشئة هو رصيد الدين. فكلما كان حجم الدين أصغر، كان الاحتمال أقل بأن تتخلّف البلاد عن تسديد ديونها في المستقبل. وفي هذا الإطار، يُشار انطلاقاً من المعطيات التاريخية إلى أن نسبة التعثّر لدى البلدان حيث بلغ مستوى الدين، في المعدل، 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، هي 3 في المئة، في حين أن النسبة لدى البلدان حيث بلغ مستوى الدين 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وصلت إلى 10 في المئة. وفي رأينا، يجب خفض حجم الدين السيادي في لبنان، في المدى المتوسط، إلى نسبة 60 إلى 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويُستحسَن في الواقع خفضه إلى المستوى الأدنى أي 60 في المئة. تطرح مكامن الهشاشة التي يعاني منها لبنان على الصعيدَين المؤسّسي والسياسي تحدّيات شديدة أمام قدرة الحكومة على توليد الفوائض اللازمة في الموازنة لتمويل خدمة الدين مع مرور الوقت. وبما أن حجم الدين اللبناني يبلغ (على الأقل) نسبة 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يتطلب خفضه إلى نسبة 60 في المئة في المدى المتوسط القيام بمجهود كبير لإعادة هيكلته.