.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"منذ ثلاثة أيام وأنا أهرب من الجلوس وحيداً. حتى ولو كنتُ أفضِّل الصمت، لكن أحاديث الآخرين تُلهيني. تعجُّ ذاكرتي بمشاهد كثيرة من طفولتنا معاً. أتذكّر كم غرتُ منكِ يوم ولدتِ، وكم عُدتُ وتعلّقتُ بك حتى صرتُ أرى العالم من خلال عينيك.
ما حدث معنا يفوق قدرة الكثيرين على التحمّل. مَن كان يتصوَّر أننا سنعيش التجربة المُرّة نفسها مرّتين، وخلال سنتين فقط؟ من كان يتخيّل أن ترى شقيقتك، طفلتك المدللة – أُمّاً مذبوحة، تُعيد طفليها إلى الله، بعد أشهر قليلة من ولادتهما، وتبقى قادرة على المشي والتحدّث والتفكير؟ منذ ثلاثة أيام، وأفكاري مشتتة. أتأمل وجه أختي، هذه الأم العظيمة... أراقب هدوء زوجها، وأطرح مئات الأسئلة عن الوجود وجدوى الحياة وحكمة الله.
لا تصدِّقوا. لا تصدّقوا أن الحياة أقوى منّا. صحيح أنها قادرة على صفعنا، عِوَض الصفعة عشر. صحيح أنها قادرة على اختزال السنوات، لتشعرك بكونك أصبحتَ عاجزاً فيما أنت في منتصف الثلاثين. صحيح أنك - وفِي عزّ إحساسك بالعجز - تشعر برغبة جامحة للعودة طفلاً، يغلّ في حضن أمه ويجهش لساعات في البكاء. صحيح أن وجع الحياة محترف، يلهو بِنَا متى يشاء. يُخسِرنا أحبّة، يمزِّق قلوبنا إلى أجزاء... لكننا أقوى منها. داخلي يغلي. أريدُ أن أملأ الكون صراخاً. في أعماقي، أحزان الأرض كلّها. أريد أن يسمع جوف الأرض أنيني. لكنني أقسم بكل الحب الذي حملته لطفليكِ. أقسم بضحكة نبيل وعيون جاد، وبكلمة "خالو" التي تقولها لي لين اليوم فتُزلزل تحتي الأرض. أقسم أننا جميعاً سننهض مجدداً. سنستمدّ قوّتنا من ذلك السلام الداخلي الذي يشعُّ من عينيك. سلام يختصر كل صبر أمهات الأرض. سنعود أقوياء، ونرسم من جديد أحلاماً ملوّنة لما تبقى من سنوات العمر... سنعود أقوياء ونلهو نحن هذه المرّة بعبثية الحياة.
كل ما أحتاج إليه الآن، جملة واحدة فقط. رجائي فقط أن أسمع منك إجابة واحدة: لماذا يا إلهي؟ لماذا؟".
مرت قرابة سنتين على هذا البوست. يوم كتبته على "فايسبوك"، كان الألم يحزّ مكاناً محدّداً في صدري. لم يبرد الجرح، نحن نعتاده فقط. بعد سنتين، وأنا أعدُّ لهذا العدد، سألتُ أختي إذا كان الحديث عن المحنة العظيمة التي مرّتْ بها ممكنة. سألتُها إيماناً مني بأن الوجع – حين يُترجم على الورق – يخفف قليلاً من حدّته. ابتسمت. في صوتِها مرارة العالم وصلابته. ليست جاهزة للغوص في تفاصيل كل ما حدث. لكنها باتت قادرة على الحديث عن بعض التفاصيل المؤلمة. كل ما مرت به كان جحيماً، ولكن واحدة من أصعب اللحظات كانت توديع جاد، وهي تطلب منه أن يسلّم على شقيق لم يرَه. كانت تودّعه وهي تضعه وسط ألعاب لم يلعب بها. اكتفيتُ معها بهذا القدر من الحديث. أعرف أن مئات الصور عادت إلى مخيلتها في تلك اللحظات. أعرف أنها عادت لتطرح على خالقها مئات الأسئلة عن الحكمة من كل ما مرّت به، عن الألم والرجاء وجدوى العذاب. التجربة غيّرت شقيقتي كثيراً. زادتها هدوءاً. لا أحد منا يعرف حجم العذابات التي تعيشها وحيدة. لكننا كلنا لاحظنا أنها باتت أكثر زهداً في الحياة. تفرح بأبسط التفاصيل، وتترّفع عن كثير من القشور التي نلتهي بها عادة. نعم، الحياة أعمق مما يجري على السطح. هذه الحياة العبثية تجعلك تتفاجأ بردات فعل مَن هم حولك. كنت أعتقد أن شقيقتي المدللة أكثر هشاشة مما يمكن تحمّله نتيجة تجربة مماثلة. كنت أعتقد أنها أقل صلابة مني ومن أمي. الجميع كان يقول إنني أنا نسخة عن تلك المرأة التي لم تبخل عليها الحياة بكثير من المواقف الصعبة.