عُمان: مات السلطان… عاش السلطان
Smaller Bigger

يوم الأحد الماضي غيّب الموت السلطان قابوس بن سعيد إثر دخوله في غيبوبة استمرت عدة أيام. وبحسب وصيته المكتوبة والمحفوظة في أحد أدراج القصر، فقد تبيّن بعد فتح المغلف إنه اختار خلفه إبن عمه هيثم بن طارق (٦٦ سنة).

وبما أن السلطان قابوس بقي عازباً طوال حياته فقد ترافق خبر مرضه بالسرطان مع إشاعات كثيرة حول إسم خليفته الذي بقي قيد التداول مدة عشر سنوات. لذلك استقبل الشعب العُماني، المُقدّر عدده بأربعة ملايين نسمة، نبأ إعلان هيثم بن طارق بكثير من الغبطة والارتياح.

ويبدو أن والد السلطان الجديد كان معجباً بأعمال الفلكي والرياضي العراقي "هيثم" المولود في البصرة سنة ٩٧٥م ثم قصد القاهرة في أيام الحاكم الخليفة الفاطمي. وقد تُرجم كتابه "علم المناظر" الى اللاتينية، وأصبح كتاباً مدرسياً.

وبسبب المدد الطويلة التي أمضاها طارق في لبنان، فقد اختار لنجله هيثم كلية برمانا بغرض إكمال دروسه الثانوية. ثم انتقل بعد ذلك الى جامعة اكسفورد البريطانية حيث تخصص في عدة حقول تحتاجها بلاده. ولقد ظهرت بجلاء محصلاته العلمية أثناء توليه منصب وزير البيئة، الأمر الذي استحق ثناء السلطان وشكره.

وفي لقاء مع الإعلاميين، اعترف السلطان الجديد بأنه اعتاد على المآكل اللبنانية كونه أمضى ثلاث سنوات في القسم الداخلي. وهو يتذكر أساتذته ورفاقه والطرقات اللولبية الجبلية التي كان يقطعها كل "ويك - اند" للوصول الى برمانا.

خلال هذا الأسبوع امتلأت الصحف العمانية بعشرات القصص التي تروي حكايات المصاعب التي واجهها قابوس طوال فترة حكم استمر خمسين سنة. كما تحدثت عن التغيير الذي حل تدريجياً منذ تسلم مقاليد الحكم خلفاً لوالده السلطان سعيد بن تيمور في تموز (يوليو) ١٩٧٠.

في ذلك الحين لم يكن في بلاد تبلغ مساحتها ١٩٢ ألف كلم مربع سوى عشرة كيلومترات من الطرق المعبّدة بالاسفلت، وثلاث مدارس حكومية تضم تسعمئة طالب وثلاثين معلماً. أما إضاءة المنازل والشارع الرئيسي في مسقط فكانت محرومة من الكهرباء التي يستعاض عنها بقناديل الغاز. وحول موضوع الجندية والدفاع عن الحدود فأمران يتولى شؤونهما الجيش البريطاني. ومن طرائف السلطان سعيد أنه أمر بإركان طائرتين حربيتين أهدتهما له وزارة الدفاع في لندن داخل مرآب للسيارات. والسبب أنه لم يكن في عُمان مطار مدني، وأن زائرها يسلك عادة الطريق البري المُعَبّد من دبي.

وبسبب ذلك التخلف اعتمد قابوس على الإنكليز أثناء التحاقه بالكلية العسكرية البريطانية (ساند - هيرست). وبعد تخرجه انخرط في سلك قوات صاحبة الجلالة، وضمن الفرقة العاملة في ألمانيا.

ولما انتهت مدة خدمته في أوروبا عاد الى القصر الموجود في "صلالة"، العاصمة الجنوبية. ولقد عاقبه والده على معارضة مشيئته، وسجنه في قلعة نائية تسمى "البرج." ولكنه تغلب على الوحدة والعزلة بفضل رصيده العلمي الذي كسبه من كلية "ساند - هيرست". وهكذا اكتشف السجين قابوس أنه قادر على ملء الوقت الضائع الذي استمر سبع سنوات. وفي ذلك السجن الانفرادي تعلم فن الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية. وكان عزاؤه الوحيد أثناء تلك الفترة العصيبة السماح له باستقبال والدته مرة كل أسبوع أو كل شهر، وهي تنتمي الى قبيلة "المعشري" في ظفار.

وبخلاف غالبية الحكام العرب، فقد بنى قابوس أكبر دار للاوبرا في المنطقة، وحرص على تنمية مواهب محبي الموسيقى لدى الشابات والشبان ممن اختيروا لتشكيل "الأوركسترا السلطانية"، أي الأوركسترا التي كانت ترافقه الى ألمانيا لتعزف له ولسكان بلدة "غارمش" التي اختارها للراحة والاستجمام.