كان عام 1975 في لبنان هو عام الإنذارات والتحركات الداخلية الصاخبة . قوى وطنية لبنانية من كل المذاهب تطالب بإدخال إصلاحات ديموقراطية وعدالة إجتماعية على نظام الحكم اللبناني الطائفي الجائر الذي ورثه الموارنة عن الانتداب الفرنسي، وقوى فلسطينية مسلحة وغير مسلحة تتحرك في الجنوب وبيروت وبقية المناطق اللبنانية للمطالبة بتحسين ظروف معيشة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، وفي حقها في محاربة إسرائيل عبر الحدود اللبنانية، كما نصت اتفاقية القاهرة الموقعة بين الدولة اللبنانية وهذه المقاومة، وبإشراف شخصي من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1969.
طبعاً، وككل أنظمة الحكم العربية المتمسكة بالسلطة، والمتعامية عن مطالب شعبها المحقة، رفض الحكم اللبناني آنذاك ان يفاوض أبناء شعبه ويقدم لهم بعض التنازلات الإصلاحية، كما استمر في ملاحقة المقاومة الفلسطينية وقمعها على الأراضي اللبنانية.
أنتج الموقف المعاند من جهة السلطة اللبنانية تحالفاً قوياً للمتضررين من نهجها: تحالف القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية . ودخل الجيش اللبناني ذو التركيبة المذهبية الهشة بكل قوته لمحاربة هذا التحالف... إلى أن كانت بداية عام 1976 عندما قام ضابط برتبة ملازم أول وحفنة قليلة من العسكريين معه بالانشقاق عن الجيش اللبناني انطلاقاً من إحدى قرى البقاع الغربي، وكانت تلك هي انطلاقة ما سمي في ما بعد "جيش لبنان العربي".
راحت دائرة الانشقاق في الجيش اللبناني تتوسع واستمر النظام اللبناني بعناده وتعسفه وتجاهله للوقائع العسكرية والشعبية على الأرض إلى أن سقطت جميع ثكن الجيش اللبناني في المناطق "الإسلامية" تحت سيطرة هذا الملازم الأول ومن انشق معه في أوائل نيسان عام 1976. وشارك هذا الجيش الناشئ في كل المعارك الدائرة بين القوى المتصارعة في لبنان حتى نهاية عام 1976
حينها كانت وسائل الإعلام اللبنانية تطلق على الملازم الأول أحمد الخطيب صفة الضابط الفار لأن تهمة إرهابي لم تكن قد ظهرت بعد.
ولما ضاق الخناق على النظام اللبناني الطائفي أدخل الدب الى كرمه، واستنجد بالرئيس حافظ الأسد وجيشه، فدخل لبنان أوائل صيف عام 1976 تحت غطاء الجامعة العربية أولاً ثم بشكل متفرد لاحقاً.
قضى الجيش السوري على كل القوى الوطنية اللبنانية وقادتها دون استثناء، واعتقل قائد جيش لبنان العربي أحمد الخطيب وغالبية ضباط قيادته أواخر عام 1976 وزجهم في سجن المزة لمدة سنة ونصف . ثم عاد بعدها ليحاول القضاء على الذين أدخلوه إلى كرمهم : حزب الكتائب و"القوات اللبنانية" وحلفائهما.
استمر "جيش لبنان العربي" في عمله العسكري بعد اعتقال قائده أحمد الخطيب ونقل نشاطه إلى منطقة الجنوب، حيث لم تكن حركة "أمل" ولا "حزب الله" قد ولدا بعد، وشارك في مقاومة الجيش الاسرائيلي بعد خروج أحمد الخطيب من السجن، كما شارك أيضاً في مقاومة الاجتياح الاسرائيلي للبنان في حزيران عام 1982.
منذ أشهر قليلة زرت "الضابط الفار" أحمد الخطيب في منزله المتواضع للاطمئنان الى صحته بعد ان تعب قلبه كثيراً. كان ذلك القلب ما زال ينبض بالوطنية والعروبة وعشق الحرية وراح يعرب لي عن ألمه وحزنه لما يجري في طرابلس، وما يدور في سوريا، ودعمه لثورتها المجيدة . وبعد ظهر الجمعة الفائت أسلم هذا المقاوم الحر المتواضع روحه إلى باريها، ودفن في بلدته مزبود من دون أن تذكره وتذكر جهاده أية وسيلة إعلامية لبنانية أو عربية.
عميد متقاعد
نبض