هكذا يكون الاحتفال برسل الفن، موازيا لشغفهم، متعمقا في بحيراتهم، يعتنق حنينهم، أوجاعهم وأفراحهم، حيث يغدو الاندماج ارتقاء إلى صميم الرسالة الفنية.
المعهد الوطني العالي للموسيقى شاء أن يكون الاحتفاء بمارسيل خليفة في قصر الأونيسكو أكثر من لقاء جماهيري مع عشاق موسيقاه واغانيه. هي حكاية ابن عمشيت التي تبدأ كحكايات الجدات بـ"كان يا ما كان"، فينطلق المشوار من تلك البلدة التي رأى فيها النور، ولا يزال مرتبطا بحنين المشتاق إلى البيت العتيق، كأنه بملامسة حجارته يعود إلى البال فوح من خبز أمه، من قهوة أمه. وكأنه بوضعه وردة على باب المدفن يسمعها تسأله "اي هدية تريد في عيد الميلاد؟" ليجيب "أن تحبينني". تعود تسأله وهو يعلم أن الامكانات المعيشية شحيحة فيجيب: "آلة عود".
لم يأت مارسيل خليفة إلى حفلة تكريمه في الأونيسكو مع رفيق دربه، عوده، فالأوركسترا الوطنية الشرق عربية كانت تحت راية أندره الحاج نابضة بالنار التي كان المايسترو يلقّمها من عصب مارسيل، من سكّره ومرّه، تتكلّم عنه، ترسم بالأوتار والنايات دروبا قطعها، فنخالها عوده، يخفق بين أصابعه المشتعلة كأسراب الطيور حين يلفحها الحنين إلى أغصانها.
لكي تأتي التحية كاملة من وحي رسولية مارسيل، غناء وموسيقى، ارتفعت أصوات جوقة جامعة سيدة اللويزة المصقولة أكاديمياً وحسناً بين يدي الأب خليل رحمة، تغني قصائد شعراء انتفضت من الكلمة المكتوبة محلقة في سماء ألحانه.
كان لا بد في البدء من الكلام قبل الموسيقى، من رئيس المعهد الوطني العالي للموسيقى حنا العميل، مرحّباً بالعائد إلى معهده بعد غياب، إلى وزير الثقافة في تصريف الأعمال غابي ليون، الذي قلده درع الوزارة تقديراً لمسيرة فنان كبير وصفه بأنه ساحر وثائر: "من كانوا مثلك لا يكرمون بكلمات بل بموسيقاهم".
ليلة الخميس كانت عابقة بحديقة مارسيل خليفة، الحانا وغناء. فالمختارات جاءت مقطوفة بيد مرهفة تدرك ما في سرّه من وجع لذيذ، إن هتف صوته لشعر محمود درويش أم استراح في ظلال قصائد أدونيس. فالكورال بالأصوات السوبرانو والألطو والتينور، كانت بامتياز السفيرة إلى سماء مارسيل خليفة وجواز سفر إلى اغانيه. بدءا بقصيدة سميح القاسم "الحنّة" إلى قصيدة الحلاج "يا نسيم الريح"، إلى أن دخلت أميمة الخليل وفي يدها رسالة إلى الحبيب "وقلت بكتبلك"، قصيدة محمد العبدالله والأداء عذب، جميل، يعبّر عن حنين الأمس، كانت فيه أميمة لمشروع مارسيل الغنائي وحيا أنثويا طيّعا في إيصال رسائل الحب والفراق.
من الشعراء الذين أدرك مارسيل أن في كلماتهم نداء للأغنية، أدونيس وطلال حيدر ومحمود درويش. وكم كانت هذه الأمسية سخيّة بعبقرية الوصال بين الكلمة واللحن المغنى، ترحل بنا إلى خيرات السهول والطبيعة مع قصيدة ادونيس "قالوا مشت"، فعلى غناء الكورال كانت طريق أدونيس مكتوبة على ورق اسمه التراب. وحين دعت الأوركسترا المغني الشاب محمد محسن لأداء "خبئيني أتى القمر" كان اللقاء بين القصيدة والنغم إرتقاء بصوت هذا الشاب المتزن، الشجي، إلى معان كونية سرابية. وكانت له أغنية ثانية "يا ساري" للشاعر محمد السويدي، عزفت بعدها الأوركسترا ورندحات الكورال "صلاة" بتوزيع من مارسيل على لحن نشيد الفرح، تاج السمفونية التاسعة لبيتهوفن. ومن موسيقاه لونغا نهوند، وفي اللحنين فنان يتعالى بوحيه إلى حيث فرح روحي عار من كساء الكلمات.
بوصولنا إلى الجزء الأخير من البرنامج، عمّ صمت تحت ذراعي المايسترو، ليأتي بعده العبور إلى محمود درويش وتلك الأغنية القابعة في قلوب الناس "في البال اغنية يا أخت عن بلد". صوت خليفة من غير أن يدري، كان منجبلا بأصوات الكورال، جارحا، مديدا، الكورال في جودة الأداء، فيما هو الصامت للإصغاء نسمعه يغني "كنا صغيرين والأشجار عالية/ وكنت أجمل من أمي ومن بلدي...".
كالمطر الرقيق المنهمر مالحا على ملامس البيانو، كان رامي خليفة منفردا، يشق الطريق للأوركسترا حتى إذا التأمت عناصر هذا الأوراتوريو المقدس تعالى غناء مارسيل على المسرح في قصيدة درويش "سلام عليك وأنت تعدّين نار الصباح"، بين الشاعر والموسيقي لقاء حول الأم. ألم يقل مارسيل إن هذا اليوم هو ذكرى رحيل والدته؟ فأدونيس على حق حين يكتب: الأبداع خاتم في المصادفات.أغنية مارسيل – قال محمود درويش – تنتشل القلب والأجنحة من الركام. وهكذا كان في هذه الليلة الفريدة شعرا وغناء، ختامها مختارات من حديقة مارسيل التي فاحت عزاء في وطن مكسور الخاطر، خائف كعصفور واقع في الشوك بلا ريش.
نبض