ليش لأ؟ لا شيء يمنع أن ينتقل واقعنا السينمائي من الجمود الى الحركة، فقد بدأ، على ما يبدو، زمن نشاط السينما اللبنانية. الحركة بركة، والبركة ايضاً بالنسوان، الشريط اللبناني الجديد الذي يبشر مشواره بالخير رغم بعض الثغر. الفيلم كتابة يوسف سليمان وإخراج سام إندراوس، وهو كوميديا سوداء تنطلق من واقع افتراضي ينقل السلطة التعسفية من الرجال الى النساء في لبنان. بطل الفيلم هو صابر (الياس الزايك) اللحام الذكوري الذي يحمل الساطور على زبونة مزعجة (ليليان نمري) ويصفع امرأة ويهددها بالقتل لأنها اصطدمت بسيارته. وهذا ما يدخله السجن ليخرج منه الى عالم مقلوب 180 درجة. النساء قمن بثورة على الرجال واستولين على حقوقهم كلها. وخير مثال جاره ابو حسان (ميشال أبو سليمان) الذي لا يستطيع فتح فمه امام زوجته ام حسان (انطوانيت عقيقي). كيف يتأقلم صابر مع هذا الواقع الجديد؟ كيف يواجه تحرشات فرح (زينة مكي)، واستفزازات عاملة الفندق هلا (لارا مطر)، وضغوط قمر(ندى أبو فرحات) مسؤولة الحكومة التي تريد تجنيده للامساك بأعضاء الجمعية الارهابية المطالبة بحقوق الرجال؟ هذا ما يجيبنا عنه الفيلم القائم على فكرة اوريجينال تلقي الضوء على بعض المطالب النسائية مثل حق منح الجنسية وحمايتها من العنف والإحتفاظ بأولادها، وذلك باسلوب طريف وساخر لم يخل، ويا للاسف، من توجيه الرسائل الاجتماعية بشكل مباشر وبنبرة وعظية. سيناريو "نسوان" من كتابة رجل، لكن المهمة لم تكن صعبة على يوسف سليمان المؤمن بالمساواة والذي لم يغص في اعماق سيكولوجية المرأة. وهكذا نتابع بقالب خفيف النساء اللواتي يقدن سيارات الاجرة وينفقن على الرجال ويتحرشن بهم في الطريق ويطلبن يدهم للزواج. اما الرجل فيطبخ وينفخ ويربي الاولاد ويُهان ويُضرب ويعمل خادماً ويرقص باليه ايضاً. الشريط لافت ايضاً بحواراته الطبيعية وبنصه الواقعي القابل لاضافات الممثلين، بدليل قفشات ميشال ابو سليمان المعتادة. أيضاً التمثيل جيد والشريط يضم باقة كبيرة من الممثلين في ادوار كلها لافتة. الياس الزايك اكتشاف فعلي. زينة مكيّ صاحبة حضور جميل وناعم وتتفاعل بشكل مقنع مع مواقف الشريط، وهي ميزة افتقدتها في "حبة لولو". معاً شكلا ثنائياً متناغماً وساحراً وخصوصاً مشاهدهما اثناء رقص الباليه على انغام اغنية الفيلم "ليش لأ" لكارينا عيد. ميشال ابو سليمان في شخصية ما كانت لتنجح لولا طرافته ولعبه المعتاد على الكلام. ندى أبو فرحات يليق بها التعسّف السلطوي وانطوانيت عقيقي ظريفة تماماً مثل ليليان نمري التي قدمت شخصية نمطية باتت ملتصقة بها. لكن مشكلة الفيلم في التطويل الذي وعد المخرج بتقصيره من خلال منتجة بعض المشاهد. ايضاً اعتمد الفيلم اسلوب البناء على "تويست" يقلب الامور سبق واستخدمته نادين لبكي في ختام "وهلأ لوين" فجعلت النسوان يقلبن الوضع رأساً على عقب بشكل انسيابي ومنطقي لسياق الحوادث. أما في "نسوان" فالتويست مستخدم مرتين، في اول الشريط وفي نهايته. الاول يقلب السلطة الذكورية ويحوّلها نسائية، وهو مقنع ضمن إطار الفيلم القائم على واقع افتراضي، اما الثاني في نهاية الفيلم فليس موفقاً تماماً، لأنه ينقلنا من عصر النساء الى عصر تلفزيون الواقع بشكل يخلو من المنطق الضروري حتى لو كنا بصدد عالم افتراضي.
منعطف يذكر بشريط The Truman Show لكنه افتقد ما ميّزه من دقة ومنطق ومراعاة لأصغر تفصيل من اجل إقناع المشاهدين بانهم يعيشون مع ترومان وصابر في عالم افتراضي من صنع الاعلام. هذه الخاتمة هبطت علينا بالمظلة، باستثناء مشهد واحد فقط (ابو حسان وزوجته يتكلمان بشكل طبيعي). مشهد بدا كأنه يعاني فصاماً مع احداث الفيلم، لأنه لم يدخل في سياق مجموعة اشارات كان يجب ان تتم الاضاءة عليها قليلاً من قبل، أي قبل ان نراها في نهاية الفيلم بطريقة استعادية، ونستمع اليها على لسان ابطال الفيلم بأسلوب وعظي.
نبض