تأخر المطر هذا العام،
احترقت أحراج قريتنا الليلة الماضية.
صبية يسخرون من صديقهم كيف يقول "الحياة جزرة"، ونعال أحذيتهم تقاوم صعوبة طريق منحدر.
عوارض أنفلونزا وسيلان أفكار،
وأنا أنتظر سيارة أجرة.
اعتدتُ على تشبيه سيارات الأجرة بمنصات التواصل الاجتماعي، تعرفُ عن الناس ما يريدونك أن تعرفه عنهم، دون أن يعنيك ذلك. تعرفُ تفاصيل الأشخاص ولا تعرف الأشخاص أنفسهم. وتنهي تماهيك مع تفاصيلهم بكبسة زر من جوالك، أو إغلاقة باب سيارة، عادة ما تكون عنيفة، يجب أن تكون عنيفة لتنجح.
ركاب السيارة الواحدة، فريق جاهز للخوض في أية عناوين تنجح في التعرف على معظمهم، وعلى الملامح الجينية التي تجمع أفراد العائلة الواحدة وأقاربهم. نادراً ما تخطئ، لأن من يقصد منطقتنا يكون من سكانها، أو تعود جذور عائلته إلى إحدى قراها، وبالتالي حتماً يحمل ملامح عادة ما تكون متشابهة، حتماً هي متشابهة لتنجح.
رجل خمسيني يدفع الأجرة ناقصة ألف ليرة، امرأة تتحدث عن ظاهرة اختطاف الأطفال في عكار، يتبرع زوجها ليريني صور المتهمة في هاتفه، وامرأة أخرى تنعى صديقتها التي قضت ضحية السرطان، هذا المرض الذي لم نكن نسمع به إلا نادراً، أصبح يختطف يومياً أفراداً "بالجملة". وافقها بشدة السائق الذي أدلى بدوره أن فيسبوك نشر الليلة الفائتة عجوزاً تقدّم وصفة لعلاج السرطان بثقة (الوصفة هي منقوع سنابل الشعير والقمح الخضراء، شرط أن يحافظ المريض على نظام غذائي نباتي) تتبدل نبرة الأسف والحزن إلى الحماسة والاستغراب من هذه العجوز الواثقة، معقول؟ هل هي صادقة؟ يأتي الرد أن فيسبوك نفسه قد نشر ذلك، صدق فيسبوك! وسائل التواصل مجدداً! تسألني بصراحة إن كنت أصدّق ذلك، لا أجيب، أرميها بنظرة شاردة وأنا أفكر ضمناً أن الحياة فعلاً جزرة.
في حي من أحياء أكبر القرى وأكثرها نمواً في معدل الولادات، نمرُّ في حي ضيّق تتجاوز البيوت فيه حرمة الطريق وتتجاور، منزل متواضع يفتح شبابيكه ولا يخفي شيئاً من خصوصيته أمام المارة. رائحة البامية المقلاة مع الثوم تفضحه، الغدا بامية بزيت اليوم، يضحك السائق، وترى المرأة المفجوعة بصديقتها عنواناً جديداً "فوائد البامية" نقلاً عن فيسبوك أيضاً، لكنها تنسى فتحوّل الموقف إلى كم هي شاقّة التحضير ومتعبة، يضحك السائق مجدداً، وأوافقها أنا أخيراً.
عندما بقينا وحدنا، عادة ما أكون الأخيرة في الوصول، أخبرني السائق أن مرض السكري أنهكه رغم شبابه، وأن مشروع البناء الذي يبنيه توقف نتيجة مخالفة ما، تنهّد. وأنا ما زلت أفكر كيف تكون الحياة جزرة!
تعبير يدل على أن الحياة قصيرة، كالوقت الذي تستغرقه لتأكل جزرة (على عكس البامية)، أو أنها رخيصة! أو أنها لا تستحق العناء ولا الاهتمام كزراعة الجزر.
تذكرت صورة نشرت على فيسبوك أيضاً، لأرنبين، كل واحد منهما أمام شتلة جزر، يتباهى الأرنب الأول أن أوراق شتلته الكثيفة تخبّئ حتماً جزرة كبيرة، لكنه لا يدري أن جزرته تحت الأرض صغيرة جداً رغم أوراقها الكثيفة فوقها، أما الأرنب الثاني الحزين لأن أوراق شتلته ذابلة تخبّئ له الأرض جزرة كبيرة ناضجة لا تمتّ إلى الهزال بشيء، لتكون الحكمة أن الظاهر لا يعبّر دائماً عن الباطن، هذه هي الحياة، قصيرة، لا يعبّر ظاهرها عن باطن حكمتها، لا نعرف ماذا تخبّئ لنا من مفاجآت، وأن الصبر فيها هو الكلمة المفتاح، هكذا تكون الحياة كالجزرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض