علي شحرور إبن الجنوب المصقول في تقاليد أرضه وعادات أهله، صنع مسرحاً صامتاً من وحي أحزان متجذرة في نسائه، يعبر بحركة الجسد إلى اقصى الصراخ الجواني، يواكب رثاءه وقع الطبول، ينقح لوعته إلى الحب والفراق، صوت أم كلثوم "ما حدش منا كان أرحم من الثاني" وشمس في صحن المسرح جنائزية في كسوفها التدريجي، إلى أن يصمت نحيب الجسد وتعم الظلمة.
شاب هو علي شحرور، من تخرّجه في الجامعة اللبنانية في قسم المسرح، تعلّم أساس البنيان وقواعده وخبرة الرائدين في هذا الحقل، وظل في باله مشروع زراعة مسرح راقص من خيرات الأرض، لا ينبت معه جسم غريب مستورد من تجارب مسرحية استحوذت إصغاءه وصقلت رؤاه، كالتي وجدها في مسرحة الجسد لدى بينا باوش وسيدي العربي الشرقاوي وغيرهما.
في محاولته الأولى عاملان أساسيان: ثقافي وبيئوي. فالبيئة التي شب فيها، يتكلم عنها بصمت الجسد الراقص، في قالب جمالي يبدي فيه من خلال الراقصتين وقرع الطبول والأنغام الرثائية، حبه وانتقاده لها.
هو عاد إلى الذاكرة يمشي على دروب أليفة تدلّه إلى مسرح مستوحى من ذاته، لا من تاريخ الرقص المسرحي العالمي. وها هي باكورة أمنياته تطل على "مسرح المدينة" في ثلاثية "فاطمة"، الأمّ، أمّه التي لبست الحداد أحد عشر عاما على والده، وأمّ كلثوم التي سحرت العالم بصوتها الملتهب بالغرام، إن هتفت "يا حبيبي" ركع الرحال على قدميها، وفاطمة الزهراء التي رثت محمد الرسول بقصيدة "إذا اشتد شوقي زرت قبرك باكية"، وما في رحاب المسرح سوى شمس ساطعة في البدء وفي ظلّها صبيّتان تتعرّيان من كساء المدينة وتلتفان بقماش أسود له معان في هذه الثلاثية، يخفي الجسد في فاجعة الموت ويبرزه لعامل الإثارة الأنثوية في تحديها قدرها. القماش الأسود حالما التفّت به رانيا الرافعي وأمامة حميدو، شق ضوءا بين المسرح والجمهور، إذ صار للحركة لغة وإيقاع على درب الطبول. المسرح وحركة الجسدين مرتبطان بالحالة التي يعبّران عنها. شرطان يجتمعان لخلق رؤيا مختلفة عن الجمالية الصرفة. هنا الجسد ليس الجسم المؤلّه الخاضع لرغبات الرجل، بل المعتنق دين الأرض والله سعيا إلى التوحد مع المطلق.
فإذا كان المشهد الأول تحيّة للأمّ المصابة بموت زوجها، فالرثاء آت من عادات بدائية، تحض هاتين الصبيّتين على لطم صدريهما كالسوط على إيقاع تراجيدي موروث من قدم التقاليد. اللوعة تكمن في حركة اليد المنسجمة مع حزن الطبول، اليد تصفّق، تهبط إلى أقصى الجسد وتعلو، فنسمع دويّها، يتكرّر إلى أن تبدأ الشمس كسوفها في الفصل الأول "وضاع الحب". فهذا العرض تحت إسم فاطمة، يسترجع به علي شحرور نماذج حركية من تقاليد العزاء وسمات التكرار والتتابع الزمني اللامتناهي، التي هي، بحسب ما جاء في المطوية، إعادة عرض المصيبة، مما يحوّل لغة التعزية والحزن إلى متعة جسدية "طربية". ويبقى الالتفاف في الأسود، حدادا وحجابا، هالة تحيط المرأة بالغموض. فرانيا وأمامة أطلقتا من جسديهما شاعرية، تعلو غناء وطربا على غناء أم كلثوم، وتتوسع في آفاق المسرح، فينخطف الجسد الأنثوي المتحرر من قيود الأرض، في دوران، والتنورة تدور وتنتفخ، بما يمدّه الجسد المتدروش في طاقة هائلة أعطاها الله - في مفهوم الدراويش- أحاسيس سريّة. جسد الراقصة صدى لحوارات خفية بين داخلها وعالمها الخارجي. فمن قال أن الدراويش ذكور ونحن نشهد روعة الانخطاف إلى عوالم كوسمية في جسد أنثى، جذابة، ولها مع الفضاء جاذبية، فيما الأخرى في الظل تنتظر خواء توأمتها وهبوطها لكي تهرع إليها في التخاوي بين جسدين إنما في روح واحدة. فتاتان مضاءتان من الداخل استجابتا في هذه التجربة رؤى محترف حديث في عالم المسرح الراقص، لا هو راقص ولا كوريغرافي، بل جاء إلى هذا العرض الذي يطلب منا سمعا إلى المعبّرتين بجسديهما، في الرثاء والإثارة، في الحركة الأرضية والحركة المستوحاة من العلى.
في الفصل الثالث "الباطن"، تستدير أمامة ورانيا في اتجاه القبلة وتنشدان، رثائية فاطمة الزهراء، تندب فيها الرسول: "فيا ساكن الصحراء علّمتني البكاء وذكرك أنساني جميع المصائب". صوتان نائحان، مجرّحان إلى أن يعود الجسدان إلى تعبيرية حركية كنا نودها تفجيرا لثلاثية فاطمة، غير أن هذه اللوحة الأخيرة من العمل جاءت بعد الغناء الرثائي، هزيلة، مكسوفة ككسوف الشمس وهبوط الظلمة.
نبض