في نهاية التسعينات، وضمن حلقة من "الشاطر يحكي" تتحدّث عن صناعة الفنّ والذائقة الشعبية، قالها أحد الهواة بشيء من المرارة: "سيمون أسمر شرٌّ لا بدّ منه". نعم، في الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية الثانية، كان سيمون أسمر أحد أسياد المشهد في التلفزيون اللبناني.
كلّنا، نحن الذين استمالنا صندوق الدهشة آنذاك، تمنّينا العمل مع "الأستاذ" كما يُسمّيه أهل المهنة وأرباب الوسط. صانع البهجة الشعبية، نقل التلفزيون من الإطار الثقافي الكلاسيكي إلى حيّز شعبويّ، استطاع عبره محاكاة كل فئات المجتمع. أبناء جيلي يتذكّرون تماماً كيف كنا نجلس ليلة السبت لنشاهد بدايات نوال وإليسا ووائل وعاصي، والجيل الذي سبقنا يتذكَّر منى مرعشلي ووليد توفيق وماجدة الرومي ثم ربيع الخولي وكلودا الشمالي... كلنا يعرف كيف كان يتفاءل بصباح ويفتتح معها كل برنامج جديد يُطلقه. كلنا عاش سهرات لا تُنسى مع سميرة توفيق. كلنا تعرَّف إلى القرى اللبنانية المحترقة بخطوط التماس بعد الحرب، يوم قدَّم "الأول ع الـLBC". كلنا يتذكَّر إطلالة زياد نجيم، و"نهفات" رياض شرارة التي لن تتكرّر، وضحكة ميراي مزرعاني، وحوارات جيزيل خوري، وصندوق مي متى وهيام أبو شديد... القائمة تطول، وسلسلة البرامج والأسماء لا تنتهي. بعضهم انتقد ذلك النهج الشعبيّ، فيما آخرون عرفوا أنّ سيمون أسمر جمع اللبنانيين – خصوصاً بعد مرحلة المعارك - على أمسيات الفرح.
لم يكن المخرج المثقّف والشغوف عرّاباً لبرامج اكتشاف النجوم فحسب. لم تكن تلك الأمسيات التي بدأت مع صونيا بيروتي وأُكملت مع هيام أبو شديد، فنورما نعوم و(مي متى في "كأس النجوم") هي التي كرّست مكانه. سيمون أسمر كان عرّاباً لبرامج تلفزيون الواقع أيضاً. برامج الفرح التي قدَّمها، جعل النساء شركاء في تقديم المادة التلفزيونية وصناعتها. ما زالت الذاكرة تتذكّر بعض أسماء المشتركين في برامج الثلثاء والخميس والسبت والأحد...
في حديث سابق مع كاتب هذه السطور، يعزو نجاح "استوديو الفن" إلى سببين، يُمكن أي طالب مُقبل على دخول هذه المهنة اعتبارهما قاعدة ذهبية لنجاحه، أولهما "متابعة الناس أشخاصاً عاديين راحوا يتماهون معهم، في طريق تحوّلهم التدريجي إلى نجوم. أما السبب الثاني، فهو اهتمامه شخصياً بتفاصيل المشتركين. "منذ عملي في التلفزيون، تعلمتُ قاعدة ذهبية، مفادها أنّه إذا أردت أن يهتمّ الناس بك، فاهتمّ أنتَ أولاً بهم. كنت أعتني بضيوف من طراز ريمون إده وميشال إده وناديا تويني وهنري فرعون وميرنا بستاني ومي عريضة. كنتُ حريصاً على راحتهم أمام الكاميرا، ولم أجد عيباً في أن أقدم لهم حتى القهوة".
في عصر سيمون أسمر، كان التلفزيون أجمل. كذلك بيروت. كانت تحدّيات المهنة أجمل. كذلك صنّاعها وشروط المنافسة فيها.
سيمون أسمر انطلق من "القناة 9" في تلفزيون لبنان. ذلك العالم الذي دخله مصادفة في منتصف الستينات، بعد رسوبه في امتحانات البكالوريا. وبعد حلقات من "أبو سليم" و"أبو ملحم" مروراً بـ"إيفيت سو سوار" مع إيفيت سرسق، جاءToute La Ville Chante ، بمثابة نقطة تحول في مسيرة "صانع النجوم". منه استوحى "استوديو الفنّ" الذي قُدّم للمرة الأولى عام 1972، لكن على "قناة 7"، ومع الإعلامية الأقرب إلى قلبه: صونيا بيروتي!
سيمون أسمر، أسس أول مكتب إنتاج تلفزيوني فنّي في لبنان والشرق الأوسط. شركة "استوديو الفنّ" عاشت عصراً ذهبياً، قبل أن يأفل نجمها مع تبدُّل المعايير في المشهد التلفزيونيّ.
سيمون أسمر رحل. شريك نجاح الثمانينات والتسعينات ورئيس مجلس إدارة LBCI بيار الضاهر، يقول في حديث مع "النهار" إنَّه خسر اليوم واحداً من أكثر الأشخاص الذين أثّروا في مسيرته الشخصية. يرجع الضاهر معك إلى متعة العمل مع أسمر: "لم يكن مُخرجاً فحسب، إنما معدّ حقيقيّ، يدرك جيداً ماذا يُقدِّم للمشاهد وفي أي توقيت". يُشير الضاهر إلى أنّ أسمر كان يعرف جيداً ماذا يُخرج من أيّ شخص. يزيّن الموهبة بشكل لافت. يستطيع أن يقدِّر مدى قبول الناس لصاحب هذه الموهبة منذ اللقاء الأول بينهما. يعرف أن شخصية سيمون لن تتكرّر. ويعرف أيضاً أنّ الدهشة اليوم باتت أصعب، خصوصاً مع تغيُّر قواعد المشهد التلفزيوني الذي تولّى في السابق تسيير المُشاهد، فيما بات الأخير اليوم وبسهولة، قادراً أن تتحكّم بكل تفاصيله. بيار الضاهر سيقود صباح اليوم (الجمعة) نهار وداع سيمون أسمر. الشاشة التي أسهم صاحب "ليلة حظ" و"دراج الفن"، و"باب الحظ" و"أهلا بهالطلة" و"ساعة بقرب الحبيب"، في رواجها ستفتح هواءها منذ التاسعة صباحاً لمرافقة أسمر إلى مثواه الأخير من مستشفى رزق، وصولاً إلى كاتدرائية القديس جاورجيوس، ثم يوارى في الثرى في مدافن العائلة بغزير.
التلفزيون في زمنه كان أجمل. كذلك بيروت. ما يُحزننا اليوم ليس رحيله فقط، إنما خسارة رجلٍ كان يعرف كيف يُخرج فرحاً ودهشة وابتكاراً من عمق السواد والانكسارات. ولعل أكثر ما تحتاجه هذه المدينة اليوم وناسها، هو شيءٌ من ذاك الفرح الذي كان يعرف سيمون أسمر صناعته وتصديره.
نبض