السادسة مساء بتوقيت بيروت، رفع رئيس غرفة البداية في المحكمة الخاصة بلبنان ديفيد راي، اول جلسة مخصصة لسماع ادلة الادعاء، استمعت خلالها المحكمة الى افادات ثلاثة شهود بينهم شقيقا ضحيتين من مرافقي الرئيس رفيق الحريري. وحاول ممثل مكتب المدعي العام الكس ميلن القاء الضوء على ما يسمى باللغة القانونية الضررين المادي والمعنوي اللذين لحقا بالشاهدين واهلهما بقضاء فقيديهما في الانفجار.
لعل المحطة الاهم في الجلسة كانت مع الشاهدة الثالثة التي شغلت منصب محققة في مكتب المدعي العام سابقا، وقد حللت كاميرات المراقبة في محور الانفجار. واخضعها ميلن لاستجواب "سلحفاتي" تقني تعقب من خلاله حركة سيارة الفان ميتسوبيشي لمطابقة اقواله في تصريحاته التمهيدية ومن خلالها القرار الاتهامي لجهة مسار الشاحنة وبطء سيرها، نظرا الى حمولتها ما يعادل ثلاثة اطنان من المتفجرات، وتعزيزا لما آل اليه لجهة ان الانفجار حصل فوق الارض. وساق سلسلة صور من اشرطة كاميرات المراقبة، كما عرض احد الاشرطة ثلاث مرات مسار الشاحنة ببطء وانحرافها يمينا خارج النفق في المنطقة وعدم ذهابها مباشرة الى موقع الانفجار، الى شريط ثان في النفق يظهر وصول دخان الانفجار اليه.
وأمام عرض ادلة الادعاء، لم يشأ الدفاع اجراء الاستجواب المضاد للشاهدين الاولين، فيما طلب احد محامي الدفاع اجراء الاستجواب المضاد للشاهدة، التي ارجات المحكمة متابعة الاستماع اليها الى جلسة اليوم.
وستستمر جلسات الاستماع الى الشهود الى ما بعد الثلثاء المقبل، وفق ما ذكره الناطق باسم المحكمة مارتن يوسف لـ"النهار". واضاف انها ستكون مخصصة لاستجواب خبراء، مؤكدا ان الادعاء سيتابع المرحلة الاولى من جدوله الى حين اتخاذ غرفة الدرجة الاولى قرارها بضم ملف المتهم حسن مرعي او عدم ذلك".
وكيف يرى رئيس مكتب الدفاع المحامي فرنسوا رو سير المحاكمة منذ بدئها، قال لـ"النهار" عند الاستراحة بعد استماع الى الشاهدين الاولين "ان الاجراءات هي اجراءات اتهامية، اي انغلوساكسونية. وسبق ان قلت انها ليست الاولوية في قواعد الاجراءات والاثبات. هو قرار للغرفة باعتماده ونحن نحترمه".
وهل سيعاود الدفاع الاستماع الى افادتي الشاهدين الاولين، أجاب رو بسؤال: "هل سنكون مرغمين على احضار هذين الشاهدين (من لبنان)؟... هو سؤال حقيقي. ولهذا السبب سمعتني اقول اننا في اجراءات غير مرضية. بما ان قرار الاتهام المتعلق بمرعي صدر متأخرا نتكلم عليه لكن محاميه لا يحق لهم الكلام".
وسئل: ان محامي الدفاع لم يجروا استجوابا مضادا للشاهدين في الجلسة ولم يطرحوا اي سؤال عليهما؟ فاجاب: "نعم. اعلنوا تصورهم سابقا. ان الدفاع لم يشأ سؤال الضحايا عن اساس ما عانوه، وهو احترام طبيعي جدا لهم".
الشاهد الأول
وبالعودة الى الجلسة، عرض ميلن صورا للضحايا الذين سقطوا في انفجار 14 شباط 2005، وبينهم الرئيس رفيق الحريري ومرافقوه التسعة والنائب باسل فليحان وثلاثة سوريين كانوا يبحثون عن عمل، ومواطنون صودف مرورهم في نقطة الانفجار او على مقربة منه، مقدما نبذة عن كل منهم. بعدها شرع الادعاء في الاستماع الى إفادات الشهود، وعددهم ثلاثة.
أقسم الشاهد عبد القادر سعد الدين درويش اليمين القانونية، وافاد ان شقيقه محمد الذي قضى في الانفجار كان يكبره بستة اعوام و"عشنا في المنزل نفسه وكنت لا ازال اتابع دروسي. عمل شقيقي مرافقا للرئيس رفيق الحريري وكان سعيدا في عمله الذي امضى فيه نحو خمسة اعوام. ولحظة الانفجار هز دويه مبنى تلفزيون "المستقبل" حيث كنت في عملي في استوديو المحطة في سن الفيل على بعد 15 كيلومترا من موقع الانفجار فهرعنا لنعرف ما حصل، وكنت على علم بأنه في عداد موكب الحريري لانه كان اقلني صباحا الى عملي. وقصدت المستشفيات سائلا عنه، الى ان طلب مني التعرف الى جثته التي كانت بلا رأس وبلا يدين او رجلين، وجهة الصدر منتفخة وممزقة. والداي لم يتحملا المصيبة وتكسرت اسنان والدي من شدة ما حل به عندما علم بقضاء شقيقي واغمي على شقيقتي ووقعت ارضا وكسرت ضلعها من جراء ذلك ووالدتي تعيش حالة انهيار مذذاك. حياتنا تبدلت من بعده، وكان المعيل الوحيد للعائلة".
اضاف: "كان عملي جزئيا بينما كنت اتابع تحصيلي. وفجأة اصبحت كبير العائلة وتحولت حياتي كلها الى عمل لأتمكن من اعالة اهلي وتأمين الطبابة لهم. معاناتنا لا تزال مستمرة من جراء فقدانه، ووالداه، وخصوصا والده صحته في تدهور دائم. اعاني نفسيا وجسديا منذ وفاته، وشعرت بألم في معدتي منذ تفتيشي عنه في المستشفى ورؤية جثته. راجعت اطباء كثرا ولكن المي لا علاج له، اذ راجعت الطبيب علي الخليل في مستشفى رفيق الحريري واخضعني للقسطرة ثلاث مرات وبقيت من دون نتيجة".
وعرض هاينز تقريرا طبيا بمعاينة الشاهد، موقعا من الاخير. ثم سال المستشار القاضي وليد عاكوم الشاهد عن زمان معرفته بوفاة شقيقه، فقال ان قوة الانفجار ودويه حملاه الى التفتيش عن شقيقه الى ان وصل الى مستشفى نجار حيث شاهد احد مرافقي الحريري، فساله عن شقيقه واجابه "رحمه الله".
ولم يشأ الدفاع طرح اسئلة على الشاهد. فشكر القاضي راي الاخير على تكبده مشقة السفر للحضور الى لايدسندام للادلاء بشهادته امام غرفة الدرجة الاولى في المحكمة.
الشاهد الثاني
وبعد عدم اعتراض الدفاع على قبول عرض ممثل مكتب المدعي العام لبينات الصور عن الضحايا، قرر القاضي راي قبول هذه البينة دليلا، واعطيت رقما في السجل. ثم استمعت المحكمة الى افادة الشاهد الثاني ممدوح محمد طراف الذي ادى اليمين القانونية وطرح الادعاء الاسئلة عليه بعد اعادة عرض صورة شقيقه زياد طراف الذي قضى في الانفجار. وافاد "ان الصورة هي لشقيقي الذي استشهد مع دولة الرئيس رفيق الحريري في الانفجار. كان شقيقي يكبرني بعامين وعمل مرافقا شخصيا للرئيس الحريري. احب عمله كثيرا مثلما احب اشقاءه والاصدقاء. كان قريبا من القلب وتعامل معه الحريري كأب وأخ وصديق".
وسئل الشاهد عن سائر افراد عائلته، فقال: "استشهد شقيقي الاكبر طراف طراف عام 1982 خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان. ولي شقيق اخر يعيش في امستردام، والثالث زياد، استشهد في انفجار 14 شباط، ولي شقيقتان.
وردا على سؤال، افاد انه خسر شقيقه الاكبر عام 1982 بقصف دبابة اسرائيلية بينما كان في منطقة خلدة مع ثلاثة من ابناء عمه، مضيفا ان شقيقه زياد عمل من عام 1978 الى 2004 مع الحريري مرافقا، "واقام في منزله الزوجي في البناء الذي نقيم فيه"، وانه اصبح مصور الرئيس سعد الحريري الخاص بعد وفاة شقيقه، "ضمني مع فريق عمله ولا ازال اعمل معه".
وهل سبق ان التقيت رفيق الحريري؟ اجاب: "نعم، اثناء قيامي بمهمة تصويره او تصوير عقيلته. كان يناديني يا ابني، تعامل معنا كاب واخ وصديق كبير، فالكل احب الرئيس رفيق".
وهل ارتدى شقيقه ايا من ملابسه يوم الانفجار، اجاب: "نعم، انتعل حذائي".
وعن مكان وجوده لحظة الانفجار قال: "كنت في مكان عملي في تلفزيون المستقبل. سمعنا بالانفجار ونزل الشباب من المحطة الى الموقع للتصوير. وراج في تلك الاثناء الكلام عن مقتل الحريري ومرافقيه. وما لبثت والدتي ان حضرت الى التلفزيون، فاتصلت به على هاتفه من دون جواب، وشاهدت قريبي عامر شحاده على التلفزيون، وانهارت والدتي فأعدتها الى المنزل. فتشت يومين وقصد أهلي المستشفيات وزرت مستشفيات اخرى وأعدت التفتيش في البرادات التي كان فتش فيها اهلي، الى أن شاهدت في الجامعة الاميركية في البراد جثة شقيقي موضوعة تحت جثة الرئيس رفيق الحريري، وكان محروقاً، تعرفت اليه من رجله، ان له ست اصابع. ولم تكن رجله محروقة بسبب الحذاء الجلد، وكذلك خصره موضع الحزام الجلد، كما تعرف اليه اقربائي".
واضاف: "كنت اعمل يومها في قسم التصوير الخارجي على بعد اربعة كيلومترات من موقع الانفجار. وعند سماع دوي الانفجار لم نصدق ان المستهدف هو الحريري".
وقال: "لشقيقي صبيان، الاول كان عمره نصف عام حينذاك والثاني ثلاثة اعوام ونصف عام، نربيهما انا وامهما التي غادرت الى اهلها منذ ثلاثة اعوام، والآن اربيهما مع اولادي الثلاثة. يعرفان والدهما من الصورة، وعندما كبرا علما انه استشهد مع الرئيس. والدي توفي عام 1997 قبل وفاة شقيقي زياد. وكان وقع خسارة زياد على والدتي كبيرا، كان يمر يوميا الى منزلنا ليسأل عنها قبل ان يقصد منزله. كان يعيل العائلة. وعندما استشهد انسانا والدنا وشقيقنا الاكبر، فما حصل معنا لا ينتسى. فقدانه خسارة كبيرة لانني كنت اراه يوميا، وترك فراغا لدي".
وسأل عاكوم الشاهد: ألم يطلب منك الانتقال الى مكان الحادث لتصويره؟ اجاب: "لم يكن دوامي يومها، ولم اكن اعلم، لانها المرة الاولى يحصل في لبنان انفجار ضخم، ولو علمت ان المستهدف هو الرئيس، وشقيقي معه لكنت ذهبت فورا، الا ان طوقا امنيا ضرب في المكان. ولم يكن الامر، مؤكداً بعد مرور ساعة على الانفجار، فقصدت منزلي وسمعت على التلفزيون النبأ ورحت أفتش في المستشفيات، وتضاربت المعلومات عن مصيره الى ان وجدت جثته في اليوم التالي".
ولم يطرح الدفاع اي سؤال على الشاهد. وشكر القاضي راي الذي عبّر عن تعاطفه.
وشكر الشاهد "دولة الرئيس سعد والسيدة نازك على وقوفها معنا على الدوام".
وتلا القاضي راي قرارا شفهيا يتعلق بطلب الدفاع من الغرفة تغيير خطة العمل في الكشف عن ادلة النفي من الادعاء. واعلن ان الغرفة وافقت على طلب الدفاع "من أجل تأمين محاكمة عادلة".
المحققة الاوسترالية
وبعد استراحة نصف ساعة استمعت المحكمة الى افادة محققة اوسترالية سابقة في مكتب المدعي العام روبن فريجر بين آب 2009 وآب 2011. وتعمل حاليا محققة في البرنامج الانمائي في الامم المتحدة. واوضحت انها كانت ضابطة في الشرطة الفيديرالية في سيدني قبل انضمامها الى عملها في المحكمة، واخذت اجازة غير مدفوعة. وذكرت انها حققت في عدد من الجرائم الكبيرة وبعضها ذو طابع ارهابي في نيو ساوث ويلز في اوستراليا.
وناقشت الشاهدة تقريرا وضعته عن تحليل كاميرات مراقبة كمحققة، والمتصل بمرور الشاحنة في نفق الرئيس فرنجية. واوضحت الموقع الجغرافي للنفق.
وقالت: "كان هناك اربعة انظمة لكاميرات المراقبة ضمن النفق عام 2005، تعمل 24 ساعة، وحركة السير هي في اتجاهين داخله، واعتقد انهما نفقان. وحصل المدعي العام على اتجاه واحد في النفق نحو منطقة السان جورج". واشارت الى "صعوبات حتى عرفنا النسخ الاصلية لكاميرات النفق والحصول عليها قبل بدء المحاكمة وبعدها، وكانت سعت جهات اخرى للحصول عليها، كالسلطات اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية". وتحدثت عن وجود نوعين من الاشرطة حينذاك بعد عرضها عام 2010 "فثمة مجموعة تضمنت صورا مفككة العناصر وتمكنا من تجميعها في مختبرات متخصصة في المملكة المتحدة، وتحديدا في قيادة شرطة فرع الارهاب وفق نظام تقني متطور. وتمكنا من تفكيك الصور الاصلية على شريط". واعطت لمحة عن المختبر الذي تم تحليل الفيديو المسجل في كاميرات المراقبة فيه. وتمت دراسة الاشرطة التي كانت فيها، وظهر نقص لبضع ثوان فيها مند دون معرفة السبب".
بعد ذلك عرضت اربع صور لسير الشاحنة في النفق، بناء على طلب ميلن، بيّنت زمان مرورها تدريجا. كما عرض شريط مرورها في النفق ثلاث مرات لاظهار انحدارها الى اليمين من دون المتابعة مع وجهة السير. وذلك لبيان ممثل المدعي العام تطابق كلامه مع ما أثاره في تصريحاته التمهيدية لجهة مرور الشاحنة في النفق نفسه وبطء سيرها وتغيير مسارها عند خروجها من المنعطف الى الجهة اليمنى لدى خروج الحريري من البرلمان وتوجهه الى المقهى وعدم مغادرته المكان فورا. وأشارت الشاهدة الى انه تم الحصول على الصور من تحليل الشرائط في المملكة المتحدة. كما بيّن ميلن تأخر الوقت في الشريط المعروض خمس دقائق من الشخص الذي يهتم بتغيير الوقت من دون التوصل الى معرفة الشخص الذي يهتم بهذا الامر الا انه اعتبر ان هذا التغيير لا يبدل في النتيجة.
وبسؤال المستشارة القاضية نوسوورثي، قالت الشاهدة فريجر: "ما نعرفه ان الشاحنة غيرت طريقها بعد خروجها من النفق وغابت عن النظر". وطلب راي ضم خريطة لبيروت لمزيد من ايضاح الطريق في تلك البقعة ومفاصلها.
وبعد استراحة ساعة، وعد ممثل مكتب المدعي العام بتزويد المحكمة صوراً ثابتة داخل النفق توضح تسلسل حركة السيارات فيه ببطء، والعمل على ايجاد صور جوية وبرية من شأنها اعطاء ايضاح اكبر عن هذه النقطة. ثم عرض صورة لمنفذ آخر لنفق فرنجية حيث مكان انعطاف شاحنة الفان الى الجهة اليمنى من النفق. وعرض صورتين جويتين من الاقمار الاصطناعية لمنطقة الانفجار. كما تظهر الصورة الواجهة البحرية وطريق قالت الشاهدة انها توازي مخرج النفق الذي سلكته شاحنة الفان. وعاد مجددا الى عرض صور من شريط الفيديو المتعلق بالنفق. وقالت: "لاحظت امرا مهما". واوضح ميلن ان "كاميرا سجلت الامر نفسه واستخرجنا لقطة عمدا هي جزء مما حصل. بدأت حركة السير وشاهدنا جانبا من الانفجار وزمان حصوله. والفارق في الوقت ينطبق على كل الصور والاشرطة التي عرضت".
وأشارت الى وجود كاميرات مراقبة في فندق فينيسيا عددها 52، بعضها خارجي. احداها خارجية يركز عليها التحقيق ورقمها 7. وموضوعة على الزاوية الجنوبية الغربية للفندق وتلتقط صورا للخارجين من النفق وصولا الى الفندق، وتعتمد على تسجيل. وحصل المدعي العام على النسخ الاصلية لهذه الكاميرات. وقدم الفندق أربعة اشرطة، وتبدو صورة شاحنة الفان ملتقطة من كاميرا موجهة شرقا في اتجاه فندق مونرو.
وسألتها القاضية بريدي عن السيارة التي تقع الى اقصى يمين الطريق وهل تستنتجين انها مركونة او متحركة؟ فأجابت انها "كانت متحركة لانها لم تكن في الصورة التي قبلها او بعدها". ثم عرضت صور من مصرف "اتش اس بي سي".
ورفع راي الجلسة عند الخامسة مساء بتوقيت هولندا لمتابعة عرض الادعاء أدلته واجراء استجواب مضاد للشاهدة من محامي الدفاع ادوارد، طالبا ساعة من الوقت لاتمامه.
نبض