.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تُكرّر مرّتين أنّ العُمر يمرّ وكلّ شيء يمضي بسرعة. "عليَّ إنجاز الأفكار"، تقول الفنانة التشكيلية غريتا نوفل، مُستثنية العلاقات الإنسانية الجميلة بتفاصيلها. تعود من ميونيخ بعد رحلة بحث عن إجابات لأسئلة مخيفة، وتتأمّل بدهشة الأطفال صفحة جريدة معلّقة على جدار قاعة المحاضرات في "النهار"، عنوانها العريض مانشيت عن هتلر. أرادت لمس مدينة قلبت مسار التاريخ، فالحيّز المُغلق حيث كان يُلقي الديكتاتور النازي خطابه، تحوّل اليوم مكاناً ضخماً لعرض الفنون. يُسعدها اللقاء في غرفة الجرائد المعلّقة، فتشعر بدقات قلبٍ جديدة. بعد انتهاء حرب العراق، تراكمت الجرائد في منزلها، فقرّرت بلحظة تخلٍّ التخلُّص منها. ثم تنبّهت إلى خطأ رمي مراحل التاريخ، وفكّرت كم أنّ إصدار الجرائد يتطلّب جهداً، لتُرمَى فجأة، فراحت ترسم على الجريدة لتطيل عمرها وتضطرّ للاحتفاظ بها. تزورنا للقاء كلّه ابتسامات، فتتحدّث عن عشق الجاز والفنّ التشكيليّ وطبقات الذاكرة، بشعف طفلة مُقبِلة على الحياة بجدائلها وضحكاتها. هنا نصّ الحوار.
أخبرينا عن علاقتك بوالدكِ عازف العود جورج نوفل. لا بدّ أنّ أثره الفنيّ والوجدانيّ كان عميقاً فيكِ، إلى درجة أنّ بصماته على لوحاتكِ جليّة، خصوصاً في "التقاسيم غير المكتملة" (عنوان أحد معارضكِ، أقيم تحية له)، أو في اهتمامك بموسيقى الجاز وعازفيها، التي كرّستِ لها الكثير من اللوحات، أصبحت في كتاب فنيّ أنيق صدر عن "أنطوان" بعنوان "Jazz Pulse"...
عملتُ على الكتاب نحو سبع سنوات. أردته قطعة موسيقية، فمَن يقرأ يشعر كأنّه يسمع. عذّبني إعداده، ولم تتوافر له الميزانية. هو مجموعة أعمال مشتّتة لم يوحّدها معرض، ولولا تشجيع غاليري جنين ربيز، لما وُلد. يحاكي الكتاب اهتمام اللبنانيين بالجاز. إنّه موسيقى معاصرة تستوعب العصر، هي جوهر الفنّ الحديث. أما بالنسبة إلى اهتمامي به، فالفضل يعود للوالد. كان موسيقاراً يولي اهتماماً هائلاً بالأصوات، ويستمع إلى لويس أرمسترونغ. موسيقى الجاز كانت الأوكسيجين خلال الحرب. شدّني زياد الرحباني إليها أيام العزف في الحمراء. هي ردّ على حاجة المرء للرفض، وفي الآن عينه، حاجته لئلا يكون هجومياً. الاستيعاب والرفض، يا لهذه الثنائية! الموسيقى تسيطر، فنقبلها ونتعاون معها، على شكل عناق، فنسير معاً. رحل والدي في سنّ الـ96 سنة. عاش كثيراً من خلال فنّه. عيَّش نفسه بالموسيقى. هو تلميذ الموسيقار الكبير فريد غصن الذي علّم كتابة الموسيقى في الكونسرفاتوار بالخمسينات. أحتفظُ بدروسهما، وبقطع موسيقية كتبها والدي بيده.