.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تبلغ نجوى بركات بـ"مستر نون" ذروة من ذرى الأناقة الأدبية. تصدر روايتها الجديدة عن "دار الآداب" مُحاكية العطب البشري والإنسان المخدوش حتى أعماقه. أدب ملعون، يمشي بين القبور ويتقلّب بين الجمر. بطلها مُرّ، يطحش حتى النهاية ويجرؤ على التنزّه في أفواه الوحوش. صاحبة "لغة السرّ"، هذه المرّة، تُغيّر الضفّة. تقف في صفّ الضحايا لتقول: أنا منهم. بطلها ابن الحرب وحمّال مآسي الشرط البشري. تحبِكه بمنتهى التمزّق، وتصنع له مسارات ضبابية. بركات حرّيفة سرد. تُقامر حتى الفلس الأخير، ثم تلبط الطاولة. روايتها مصنع خيبات، ينبعث منه دخانٌ أسود وهلوسات برأسين وضرس. نلتقي للحديث عن بطلها، حطام الإنسان، العفن الاجتماعي، وملاكمة الألم.
نصارحها بالإعجاب بشخصية مستر نون المتقنة، المشغولة بهدوء وتفاصيل لمّاعة. غريبٌ أمر هذا الرجل الذي يقيم في غرفة فندق. غريبةٌ هي طفولته الملعونة، وأمّه التي أحبّت شقيقه دونه. أهذا هو مصير الإنسان؟، فتجيب: "كان في نيّتي بناء الشخصية من مجموعة طبقات، فأوجِد لها ماضياً وحاضراً وعلاقة بالواقع ليست بالضرورة واقعية. مستر نون كاتبٌ توقّف عن الكتابة، وعاد إليها لأسباب عاطفية. لكنّه لا يعاني أزمة الصفحة البيضاء. رأى في الانقطاع فترة نقاهة تُخفّف عنه حمولة الكلمات. وحين عاد إليها، راح يكتب أشياء هشّة، ثم بدأ يستعيد الذكريات. الكتابة إعادة امتلاك الحياة. عاش معاناة أمٍ نبذته وأبٍ انتحر بعدما كباش مريع مع الضمير. نون طبقات، من تاريخ عائلي ومحيط وظرف. هو في الخمسينات، يرث جرح الحرب الأهلية، خسائرُه مرايا زمننا. يشبهني، لكنّه يتجاوزني بكثير، ليتكلّم على أزمة إنسان اليوم. يخال المرء أنّ طاقته على التحمُّل بلغت أقصاها، ليُفاجأ بما هو أقسى. كيف يمكن أن يبقى سوياً وسط السواد والتوحّش؟ المسألة مُرهِقة".
الكاتب لا يقف على حياد. هو دائماً في الصفوف الأمامية، جاهز للتلقّي. توافق نجوى بركات على تورُّطه في وجع الشرط الإنساني، حتى إنّه يغرف من نفسه لبناء الشخصية. سُئل غوستاف فلوبير مرّة مَن تكون مدام بوفاري، فأجاب: أنا. رجل يتخفّى في امرأة. أهكذا أنتِ في مستر نون، شبيهكِ في الانقطاع سنوات عن الكتابة؟ "نعم، نحن الكتّاب ملاعين غشّاشون. نكتب للابتعاد قليلاً من المحاكاة الذاتية بالتقاطع مع الآخرين، لاقتناعنا أنّ ما نكتبه لا يعنينا وحدنا. هنا، يلوح التقاطع بيني وبين أشخاص لتركيب شخصية، مع فارق أنّني أدفشها إلى احتمالات لا نجرؤ على بلوغها".
المُزاحمة والتحمُّل