من مملكة الشرّ إلى ملكوت الله
Smaller Bigger

كلّ الديانات تدعو إلى تجنّب الشرّ وفعل الخير. هذا هو المبدأ الأساسيّ للأخلاق، وعليه ترتكز كلّ القوانين والشرائع، ومن دونه لا يستطيع الناس أن يعيشوا معًا بانسجام وسلام. لقد أعطى الله شعبه الوصايا، لكنّهم خالفوها. وكان الأنبياء باستمرار يذكّرون الشعب بهذه الوصايا، ويؤنّبون بنوع خاصّ الملوك الذين كانوا يفعلون الشرّ أمام الله. وإذ كثرت خطايا الشعب وخطايا ملوكهم، تنبّأوا بمجيء "مسيح ملك" يمتلئ من مسحة روح الله، فيُزيل الشرّ من الأرض، وبواسطته يملك الله على شعبه.

هذا هو الموضوع الأساسيّ لرسالة يسوع المسيح. فقد جاء ليحقّق ملكوت الله على الأرض. وهذا ما يؤكّده إنجيل مرقس بقوله في بدء رسالة يسوع: "وبعدما أُسلِم يوحنا أتى يسوع إلى الجليل ينادي بإنجيل الله قائلاً: لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مرقس 14:1-15). قضى يسوع حياته وهو يصنع الخير ويزيل كلّ أنواع الشرّ من الناس: فغفر الخطايا أصل كلّ الشرور، وشفى المرضى، وأقام الموتى، وطرد الأرواح النجسة. وفي عمله هذا بدأ ملكوت الله، كما قال للفرّيسيّين: "إذا كنتُ أنا بروح الله أطرد الشياطين فذلك أنّ ملكوتَ الله قد أدرككم" (متى 25:12-28). وفي أمثلة الملكوت يشبّه يسوع ملكوت الله بحبّة الخردل التي تبدأ صغيرة ثمّ تنمو "فتصير شجرة حتى إنّ طيور السماء تأتي وتعشّش في أغصانها" (متى 32:13)؛ وبالخميرة التي توضع في الدقيق "فتخمّر العجين كلّه" (متى 33:13)؛ وبالكنز الذي وجده إنسان في حقل، "فباع كلّ ما له واشترى ذلك الحقل" (متى 44:13). ويُعلن يسوع "الطوبى للفقراء بالروح، فإنّ لهم ملكوت السماوات" (متى 3:5). فالفقراء بالروح هم الذين يرون غناهم في الاتّحاد بالله وتتميم إرادته. ولفظة "السماوات" هي مرادف لله، لأنّ اليهود كانوا، احترامًا لله، يهابون ترداد اسمه، فيستعيضون عن اسمه بلفظة "السماوات". أمّا الأغنياء الذين يتمسّكون بأموالهم ويفضّلونها على الله فمن الصعب عليهم دخول ملكوت الله، كما قال عنهم يسوع: "إنّه لأيسر أن يمرّ جمل في ثقب إبرة من أن يدخلَ غنيّ ملكوتَ الله" (متى 24:19).