صدر للشاعر والناقد قيصر عفيف لدى "دار نلسن" كتابه الجديد، "قصائد من المكسيك"، الذي يتضمن مختارات شعرية لكبار الشعراء المكسيكيين، اختارها وهيّأها وعرّبها، لجعلها في متناول القارئ العربي. وقد مهّد للكتاب بمقدمة عن الترجمة، ننشرها مع بعض القصائد.
في ترجمة الشعر
ترجمة الشعر ضرب من العشق. لا يعرف أسرارها وخباياها إلا من يكابدها. ولا يقوم بها إلا من وقع في غرامين معا: عشق الشعر وعشق اللغات. لهذا اختلف الشعراء والمترجمون حول فوائدها والكثير من جوانبها. رأى بعضهم كالأرجنتيني خورخي لويس بورخس أنه إذا كانت الكتابة نفسها تشويهاً فالترجمة تشويهُ التشويه. أما الشاعر الأميركي روبرت فروست فكتب يقول: "إن ما نخسره في الترجمة إنما هو الشعر" Poetry Is What Gets Lost In Translation.
لماذا قمتُ بهذه الترجمة مع معرفتي المسبقة بصعوباتها ومخاطرها ومعاناتها؟ ربما يعود السبب الأهم لأني كنتُ، وما زلتُ أرى، أن الشعر يختصر الحضارة. إذا أردنا أن نكتشف جوهر حضارة ما، علينا بقراءة الشعر الذي أنتجته وتنتجه. وعند قراري الاستقرار في المكسيك عكفت على قراءة الشعر المنشور في الصفحات الثقافية أو في مجموعات ومختارات مستقلة. يومها كانت متعة القراءة تكفيني ولم أفكر يوماً في ترجمة هذا التراث الغني لمشاركة الآخرين فيه. ولكن مع الأيام بدأت بعض الصحف العربية تحثني على ترجمة قصائد لهذا الشاعر أو ذاك.
أحيانا كنت ألتقي شعراء يروق لي ما يكتبون. أحاورهم وأنشر الحوار، ومع الحوار أنقل بعض أعمالهم إثراءً للحوار.
وفي عام 1992 بدأنا نشر مجلة "الحركة الشعرية" وكنا نعتمدها وسيلة تساعدنا في نشر بعض الترجمات لأن الترجمة في نهاية الأمر جسر عبور بين ثقافة وأخرى، بين حياة وأخرى وبين إنسان وآخر.
ظلتْ كل الترجمات التي قمتُ بها ونشرتها في الصحف المتفرقة متناثرة هنا وهناك وهنالك. لم أفكر يوماً في جمعها ونشرها في كتاب مستقل حتى جاء مرسلًا بمنحة إلى المكسيك الشاعر السوري الحمصي الأصل علاء الدين عبد المولى. وكان أن نشأت بيننا صداقة متينة شدّت المحبة أواصرها. هو الذي أصرّ على نبش هذه المختارات. بحثَ عنها، جَمَعها، رتّبَها، نسَّقها وحَضّرها تحضيراً نهائياً للطباعة والنشر وله وحده يعود الفضل في ظهورها، وله كل الشكر والامتنان.
منذ بداياتي كنتُ أضع مقولة خورخي لويس بورخس أمامي. كذلك كنت أفكر دائماً بما قاله الشاعر الأميركي روبرت فروست ولكني اعتبرتها لعبة مسلية ومفيدة. فيها بعض التحدي كما في كل لعبة، وفيها بعض التسلية كما في كل قراءة، وفيها بعض الإفادة كما في كل نشاط ثقافي. أدركتُ باكراً ان القصيدة ليست كلمات تصير مبنى يحمل معنى. لكل قصيدة جوّ خاص يعطيها روحاً خاصاً بها. ولغة القصيدة تطلع من كلمات القاموس، إلا أن الشاعر يعطيها أبعاداً أخرى لم تحلم بها القواميس. وكان التحدي أمامي كيف استطيع ان انقل جوّ القصيدة، وهو السحر الحقيقي، من الإسبانية إلى العربية؟ كنتُ أريد أن أنقل ذلك مع الكلمات وكنت أخشى الفشل ومع هذا ما كنت أتردد.
تعلمتُ أن القصيدة ليست مجموعة من الكلمات. وان الكلمات ليست أشياء ذات وجود مستقل خارج الذات. ادركتُ ان الكلمة في حقيقتها حدَثٌ ولهذا تكون القصيدة أيضا مجموعة احداث تتشابك وتتداخل وتتعاقب وتتفاعل في علاقات حميمة ووثيقة لتخلق الجو العام للقصيدة. وكان همّي الوصول إلى هذا الجو ونقله في لغة عربية بسيطة لا تعكر مزاج القارئ ولا تنهك قواه الذهنية بحثاً عن المتعة. ربما تتساءل يا عزيزي القارىء كيف فعلتُ ذلك. حسناً لن أفشي سرّاً إذا قلت لك إني تعلمتُ الطريق من فيزياء الكمّ المعاصرة. تقول هذه الفيزياء إن الأجزاء التي تؤلف الكون تلتقي مع بعضها عند المستوى الأساسي والعميق للوجود وتتصل مباشرة في لجّة واحدة مع كل الموجودات. فكلمات القصيدة تتصل مع كل الكلمات في كل اللغات وفي كل الأزمنة. ليس من لحظة خاصة كتبت فيها القصيدة. هذه اللحظة بالذات، الآن، لا وجود لها إلا مع اللحظة التي كتب فيها شاعر ما قصيدة مطبوعة على الورق أمامي. في هذه اللحظة تكمن كل اللحظات، إذا استعدناها نستعيد التجربة. إذا استعدنا التجربة نستعيد الجو الأول والأصلي الذي دفع القصيدة للظهور.
حاولت بعد قراءة القصيدة التي أنوي ترجمتها أن أعود إلى لحظة كتابتها. في الفيزياء الكمّية يسمّونها قفزة كمية. أقفز إلى زمان يبدو أنه زال، زمان كتابة القصيدة ولكن لا زمان يزول حقيقة. كل زمان قائم في كل زمان. هذه القفزة ساعدتني كثيراً في الوصول إلى جوّ القصيدة الأصلي ومناخها الأول. بعد ذلك أعود إلى الاهتمام بالصور والكلمات والتراكيب.
كانت الصعوبة في نقل اللغة الشعرية؟ فالشاعر في كل اللغات يبدع لغة داخل لغة. كلمات القصيدة لا تعرفها المعاجم وبالتالي كيف ننقلها دون خيانة النص وخيانة المعاني؟
لم تكن الترجمة الحرفية أبداً نهجي أو طريقتي. كانت غايتي أن أحفظ بريق القصيدة وسحرها. أن احفظ نكهة القصيدة وعبقها ليتمتع فيها القارئ في لغتها الجديدة. حاولت كل ذلك دون أن أغرق القصيدة بسلاسل اللغة التي أنقل منها. أردتُ أن أحررها لتبدو بسيطة، ولتأتي في تراكيب عربية حتى لا تبدو وكأنها تأتي بلكنة غريبة.
أترك هذه الترجمات بين يدي القارئ. طامحاً أنه يستطيع القفز إلى لحظة كتابة القصيدة ليعيش في جوها، لا هدف عندي من نشرها. تكفيني السعادة التي اختبرتُها لدى ترجمتها، وأتمنى أن يحصل القارئ عليها.
شجرة في الداخل
أوكتافيو باث
نبتتْ على جبهتي شجرة
ونمتْ باتجاه الداخل.
جذورها أوردة.
أغصانها أعصاب.
أوراقها الفوضوية أفكار.
نظراتك تحرق الشجرة.
ثمراتها من الظلال:
برتقال من دم،
ورمّان من نار،
تستيقظ في ليل الجسد
هناك، في الداخل، في جبهتي،
تتكلم الشجرة.
اقتربْ.
أتسمعُ؟
***
نحضر كتاباً
خايمي سابينس
نحضر كتاباً
وهو شهادة لما لا نقوله
نجمع زماننا، أحزاننا،
عيوننا وأيدينا التي كانت لنا
وقلوبنا التي تعودنا عليها
ومع ذلك نبقى أعظم
وأكثر بؤساً من الكتاب
الرثاء ليس الألم
والزغردة ليست العصفور
الكتاب ليس أنا
ولا ولدي
ولا حتى ظلاًّ لولدي
الكتابُ زمانٌ
زماني بين أزمنتي كلها
إنه حبة الذرة في العرناس
قطعة مِن هيدرا(*).
***
الملجأ الأخير
ألبرتو بلانكو
كلما أردتُ الهروب من الزمان
ألتجىءُ إلى المكان
كلما أردتُ الهروب من المكان
ألتجىء إلى الزمان
كلما أردتُ الهروب من المكان والزمان
ألتجىء إلى نفسي
كلما أردتُ الهروب من نفسي
يكون الله ملجئي الوحيد.
نبض