في السنوات الأخيرة، تزايد الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية مع كل ما لذلك من تداعيات سواء على صحة الأفراد أو على المجتمعات وصولاً إلى اقتصادات الدول. لذلك، في الأسبوع العالمي للتوعية حول المضادات الحيوية بين 18 تشرين الثاني (نوفمبر) و24 منه، أطلق المكتب الفرعي لمنظمة أطباء بلا حدود في لبنان حملة توعية حملت شعار "تناولها بحذر لتجنب الخطر" لزيادة الوعي حل الضرر الناتج من سوء استخدام المضادات الحيوية وحول طرق انتقال العدوى المقاومة لهذه المضادات.
في إطار الحملة شدد المدير الإقليمي لمنظمة أطباء بلا حدود وطبيب الطوارئ الدكتور أحمد الدخيري في حديثه مع "النهار العربي" على ضرورة الحرص والتأني في وصف المضادات الحيوية
واستخدامها بهدف كبح مقاومة المضادات الحيوية التي تزداد انتشاراً بشكل يدعو للقلق

من الناحية الطبية، ما هي دواعي استخدام المضادات الحيوية؟
لا بد من التوضيح أولاً أن ثمة نوعين من البكتيريا: البكتيريا السيئة التي تسبب الأعراض المرافقة للمرض سواء كان التهاباً رئوياً أو في العينين أو في المسالك البولية أو غيرها، والبكتيريا الجيدة والسليمة التي يحتاجها الجسم لوظائف معينة. أما الهدف من استخدام المضادات الحيوية فهو محاربة البكتيريا المسببة للأمراض، لكن لا بد من التمييز أولاً ما بين الفيروس والبكتيريا كمسبب للمرض قبل استخدام المضادات الحيوية لأنها توصف حصراً إذا كانت البكتيريا سبب المرض ولا جدوى من تناولها بغير ذلك ويكون الضرر عندها أهم بكثير من الفائدة.
هل يسهل التمييز بين الفيروس والبكتيريا كمسبب للمرض؟
لا يمكن للشخص العادي أن يميز بين الفيروس والبكتيريا بما أن الأعراض متشابهة في الحالتين من رشح وألم وارتفاع في الحرارة وإسهال. أما الطبيب فهو قادر على ذلك بالاستناد إلى تاريخ المرض بحسب معايير معينة كالتعرض للعدوى مثلاً او تناول طعام يمكن أن يسبب تسمماً غذائياً وما إذا كان موسم حساسية أو انفلونزا. يكون التشخيص مبدئياً عندها، بحسب الدخيري ثم تؤكده الفحوص المخبرية لعينة بول أو دم أو براز في مرحلة ثانية. في حال ارتفاع مستويات كريات الدم البيضاء، يمكن لفحص إضافي أن يحدد ما إذا كان فيروس السبب أو بكتيريا.
في الوقت نفسه، ثمة أعراض معينة يمكن الاستناد إليها فتعطي فكرة حول مسبب المرض. فقد يكون ارتفاع الحرارة معياراً بحسب ما إذا كان ينخفض لفترة زمنية معينة عند تناول مخفض الحرارة فتكون بكتيريا وراء المرض أو ما إذا كان انخفاضها مؤقتاً جداً عند الحصول عليه، فيكون الفيروس سبب المرض والجسم في حالة مقاومة. وفي الفحص العيادي يكن أن يلاحظ مثلاً تضخم الغدد اللمفاوية فيكون السبب فيروسي. وتعتبر رائحة الفم معياراً أيضاً.
إذا كان سبب المرض فيروسياً، يكفي وصف المقويات والفيتامينات . أما إذا كان السبب بكتيرياً وثمة حاجة لذلك، وحده الطبيب يصف المضاد الحيوي بحسب الحاجة. علماً أنه في جسم الإنسان مضادات حيوية طبيعية يحارب المرض من خلالها، فتأتي المضادات الحيوية التي يتناولها كدعم لمواجهة المرض ومقاومته بمزيد من الفاعلية.

لماذا يعتبر تناول المضادات الحيوية عشوائياً سلبياً؟
تكمن المشكلة في أن الجسم يعتاد على هذه المضادات الحيوية لدى تناولها بشكل متكرر وهي تقضي مع الوقت على البكتيريا المفيدة أيضاً في الجسم. مع الوقت تصبح هناك مقاومة للمضادات الحيوية بحيث لا تعود فاعلة في حال المرض. لذلك، يشدد الدخيري على التأني في استخدامها وعدم تناولها مباشرةً . فيجب إعطاء الجسم الفرصة ليحارب المرض. أما في حال فشله وبدت المناعة الطبيعية عاجزة عن المقاومة وكانت الحالة صعبة لا تسمح بالانتظار، فيوصف المضاد الحيوي، بدءاً بالأنواع الأساسية والأخف منه ثم يتم التدرج نحو تلك الأكثر تطوراً كعلاجات تجنباً لمقاومتها. فهذه العلاجات هي مواد غريبة على الجسم وهي سامة ولا يمكن التهاون في تناولها او في الجرعات التي يتم الحصل عليها. فمع تناولها تتراجع استجابة الجسم ولا تعود لها أي فاعلية في مواجهة المرض. لذلك لا بد من التوعية في هذا المجال للحد من انتقال البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في المجتمعات لما لذلك من مخاطر وتداعيات على المجتمعات للمدى البعيد.
في حال مقاومة المضادات الحيوية، تطول فترات المرض وتزيد معدلات الدخول إلى المستشفى وتزيد تكاليف العلاج لان الجسم يصبح أكثر هشاشة. والأسوأ أن العلاجات هذه لا تعود فاعلة مما يتطلب اللجوء إلى مضادات حيوية باهظة الثمن وسامة وذات آثار جانبية عديدة. وينعكس ذلك بطبيعة الحال على المجتمع ككل وعلى اقتصادات الدول بما أنه يشكل عبئاً إضافياً على النظام الصحي وأيضاً يشكل عندها عائقاً ويخفف إنتاجية الفرد.
نبض