غالباً ما يتعرض طفلنا للغات متعددة من مصادر مختلفة من حوله. فقد يتحدث الجدّان معه بلغة مختلفة عن تلك التي يتحدث فيها الأهل وهي قد تختلف أيضاً عن اللغة التي يتعلمها في المدرسة أو الحضانة. وفيما قد نصادف أطفالاً يتحدثون بلغات متعددة من سن صغيرة، يمكن أن يواجه البعض صعوبات في النطق أصلاً، ما يولّد ارتباكاً لدى الأهل ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان من الأفضل حينها للطفل التركيز على لغة واحدة حتى يكتسب هذه المهارة. طرق التعامل الصحيحة مع الطفل في مثل هذه الحالة توضحها الاختصاصية في علم النفس التربوي في دبي والمتخصصة في تطور اللغة لدى الأطفال الذين ينطقون بلغات متعددة الدكتورة راما كنج. علماً أنها تجري حالياً دراسة في لبنان حول الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و8 لتطوير أداة تسمح بقياس المخزون اللغوي لدى الأطفال اللبنانيين. وفي الدراسة يتم اختيار عينة من الأطفال من مختلف المناطق اللبنانية، ويُطلب منهم التعبير بحرية عن صور يرونها أمامهم باللغة التي يريدون لتحديد مستوى المفردات لديهم، على أن يسمح تطوير هذا الفحص كأداة باستخدامه من قبل الاختصاصيين في النطق وفي التربية وغيرها من المجالات في لبنان.

هل تعليم الأطفال لغات عدة محبّذ أم يؤثر سلباً على قدراتهم؟
لا بد من التوضيح أن كل الأطفال على اختلاف قدراتهم، يمكنهم تعلّم أكثر من لغة من سن مبكرة، وليس صحيحاً ما يقال إن تعليمهم لغات متعددة قد يؤثر سلباً عليهم وعلى نموّهم. فحتى إذا كان الطفل يعاني صعوبات تعليمية أو اضطرابات عصبية كالتوحد أو فرط النشاط وقلة التركيز، فهو قادر على تعلّم لغات عدة. وبقدر ما يتعرّض الطفل إلى لغات عدة من سن مبكرة يكتسب اللغة ويمارسها بإتقان أكثر مما يفعل إذا ما تعرّض لها في سن متأخرة. فهو عندها قادر التلقي بمعدلات كبرى في سن صغيرة.
هل لدى أطفال معينين قدرات كبرى على تعلّم لغات عدة؟
مما لا شك فيه أن لدى بعض الأطفال استعداداً أكبر لاكتساب لغات متعددة بالمقارنة مع غيرهم من الأطفال. هم يكتسبون اللغات عندها بسهولة كبرى، بحسب ما توضح كنج، لأنهم يتفوقون من حيث القدرات الذهنية المرتبطة باللغة وتكون متقدمة من حيث المستوى إذا ما تمت مقارنة مع غيرهم من الأطفال. من هنا أن بعض الأطفال قد يتميزون بالقدرة على التحدث بـ5 لغات بسهولة مثلاً. في الوقت نفسه، يمكن القول إن أي ولد يتعرّض بشكل مكثف للغات متعددة في الوقت نفسه يمكن أن يتعلّمها من سن مبكرة ويستخدمها بسهولة. فالمسألة ترتبط أيضاً بمعدل تعرض الطفل إلى لغات متعددة في المدرسة والمنزل والمحيط عامةً، في الوقت نفسه في مرحلة مبكرة، إضافة إلى القدرات الذهنية المرتبطة باللغة التي تلعب دوراً مهماً أيضاً.

متى يُنصح بتجنب تعليم الطفل لغات متعددة وبالتشديد على لغة واحدة لا أكثر؟
تؤكد الدراسات أنه يجب عدم الامتناع عن تعريض الطفل لأكثر من لغة لأن أي طفل، وإن كان يعاني صعوبات تعلمية أو تأخراً ذهنياً لسبب أو لآخر، قادر على تعلّم أكثر من لغة. وبدلاً من أن يُطلب من الأهل الامتناع عن تعريض الطفل لأكثر من لغة في حالات معينة، في الواقع توضح كنج أنهم قد يُنصح أحياناً بتعزيز الدعم في تعليم اللغات للطفل ليكتسب المزيد من اللغات عبر توفير الأدوات التي يمكن أن تسهل الأمور عليه مثل:
- قراءة القصص له بمعدلات كبرى
- إقامة الأحاديث المطولة معه
- الحضور معه بمعدلات كبرى لمساعدته في اللفظ والتعبير حتى يكتسب مفردات جديدة
- الحرص على تعرضه بمعدلات كبرى للغات متعددة من قبل المحيطين
وبالتالي، ليس هناك أي موانع لتعلم الطفل لغات متعددة، إنما يمكن أن تختلف الطريقة التي يمكن أن يتعرض فيها لهذه اللغات فيحتاج أحياناً إلى المزيد من الالتزام من قبل المحيطين في ذلك. فليس صحيحاً أبداً أن يكون المطلوب التركيز على لغة واحدة في حالات معينة، كأن يعاني الطفل تأخراً في النطق أو صعوبات تعلمية أو غيرها. فالعكس صحيح، لأن تعريض الطفل للغات متعددة وتوفير الدعم له في هذا المجال يمكن أن يساعده بشكل أكبر حتى يطوّر قدراته.
في الوقت نفسه، تشير كنج إلى أن الطفل الذي يتحدث بلغات متعددة قد يبدو كأنه ملك مفردات أقل في التعبير، فيعتقد المحيطون أحياناً أنه يعاني تأخراً على صعيد النطق. في الواقع، هو لا يعاني أي مشكلة بالمقارنة مع غيره من الأطفال الذين يتحدثون بلغة واحدة، لكن المخزون اللغوي لديه يكون موزعاً على لغات متعددة يتحدث بها، وإن كان عدد المفردات التي لديه نفسه كما بالنسبة لأي طفل آخر. لذلك عند القيام بتقويم لغوي لطفل متعدد اللغات لا بد من الحرص على التقويم بكل اللغات التي يتحدث فيها حتى لا يُظلم في هذا التقويم، كما يحصل عند القيام بتقويم على أساس لغة واحدة، وقد يحصل أن يُحكم عليه بأنه يعاني تأخراً لغوياً.
ما الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الأهل في تعليم الطفل لغات متعددة؟
يمكن أن يحصل أن يمزج الطفل بين اللغات المتعددة التي يتعلمها، وهي مشكلة يعانيها كثيرون. فقد تحتوي الجملة نفسها مفدرات من لغات متعددة أو حتى قد تمتزج الكلمات أو الأحرف مع بعضها. هي حالة طبيعية بحسب كنج، ولا تدل إلى اضطراب باللغة بل تدل إلى أن الطفل يبذل جهداً لتركيب جمل، مستعيناً بكل المفردات التي لديه. ما يمكن أن يفعله الأهل عندها الحرص على أن يتحدث كل فرد في محيط الطفل لغة واحدة حتى يتعلّم هذه اللغات بطريقة صحيحة ومنتظمة. فإذا تعلم لغة أجنبية في المدرسة يتم التركيز في المدرسة على اللغة العربية حصراً وفق قاعدة one person one language فيركز كل شخص في محيط الطفل على لغة واحدة.

ما النصائح الاساسية التي يجب أن يتقيّد بها الأهل عند تعليم الطفل أكثر من لغة؟
- التحدث مع الطفل بطريقة صحيحة قاعدة أساسية لا بد من التقيّد بها. فقد يخطئ الأهل بالتحدث مع الطفل على طريقته. فيجب لفظ الكلمات بالطريقة الصحيحة والواضحة ليتمكن الطفل من تلقنها، وإذا أخطأ الطفل يجب تكرار الكلمة أمامه باللفظ الصحيح وبالطريقة الصحيحة.
- يجب أن يتعرض الطفل للغات متعددة من سن مبكرة يتعلمها أفضل، بدءاً من الأيام الأولى وحتى عندما يكون جنيناً في رحم أمّه، لأن الطفل يخزّن حينها الوعي الصوتي للغات والتي لها أصوات مختلفة. هو قادر على تطوير ذلك من مراحل مبكرة بغض النظر عن اللغات.
- يجب قراءة القصص للطفل بكثافة وتكرار، ويجب تشجيعه على القراءة
- يجب الحد من الأوقات التي يمضيها الطفل أمام الشاشات
- يجب تشجيع الطفل على ممارسة أنشطة متعددة يزيد فيها التواصل اللغوي مع أطفال آخرين
نبض