اتفاق ليبيا البحري... خلاف يباعد بين مصر وتركيا ومصالح تجمعهما

شمال إفريقيا 25-10-2026 | 18:09

اتفاق ليبيا البحري... خلاف يباعد بين مصر وتركيا ومصالح تجمعهما

يعيد الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا الخلاف مع مصر إلى الواجهة، وسط مصالح تدفع البلدين إلى التنسيق. كيف تنظر القاهرة وأنقرة إلى حقوقهما وخيارات التفاوض؟
اتفاق ليبيا البحري... خلاف يباعد بين مصر وتركيا ومصالح تجمعهما
وزيرا الخارجية التركي هاكان فيدان والمصري بدر عبد العاطي خلال لقائهما في نيويورك، 24 أيلول/سبتمبر 2026. (رويترز)
Smaller Bigger

على حدود جرف قاري، ينقسم البحر المتوسط إلى شطري نزاع، ليضيف إلى أزمات ضفافه أزمة جديدة تهدد بتداعيات جيوسياسية.

 

مركز الأزمة ليبيا، أما تبعاتها فتطاول العلاقات بين تركيا ومصر، التي استعادت أخيراً طابعها الاستراتيجي. فقد جاء الاتفاق الليبي الداخلي، بعد طول انقسام، ليفتح أمام البرلمان طريق التصديق على الاتفاقية البحرية التي عقدتها الحكومة الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس الغرب مع تركيا عام 2019، والتي واجهت اعتراض القيادة الليبية شرقي البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر.

 

ومنذ الإعلان عن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، رافقته اعتراضات من اليونان وقبرص وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، ومعهم مصر، على اعتبار أنه لا يحترم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

 

وتجدّد الرفض عقب إقرار مجلس النواب الليبي الاتفاق، وسارعت الخارجية المصرية إلى التنديد به، معتبرة أنه يشكّل "مساساً واضحاً بالحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري".

 

أما في ليبيا، فقد التقى طرفا الانقسام في الغرب والشرق على اعتبار الاتفاقية أداة لحماية المصالح الاقتصادية والسيادة الليبية.

 

وعلى هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، إلى جانب ثلاث دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أعاد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد من إسطنبول على "أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول". وشدّد أمام نظيره التركي هاكان فيدان على موقف مصر "الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية".

 

وكان فيدان قد سبق ذلك بالقول إن بلاده "تعرف أسباب اعتراض بعض الدول"، واضعاً بعضها في إطار الاعتراض من أجل الاعتراض، فيما تعترض دول أخرى لأسباب "استراتيجية حقيقية". لكنه مضى مؤكداً أن الاتفاقية شرعية بالكامل من الناحيتين القانونية والسياسية، و"لا داعي لمناقشة ذلك".

 

يربط الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء المتقاعد في الجيش المصري أسامة الجمال، هذه القضية "بإمكانات استكشاف الغاز الطبيعي والموارد البحرية في شرق المتوسط، وبالحقوق التي تترتب على تحديد المناطق البحرية". ويوضح لـ"النهار" أن أي محاولة لفرض "واقع يتعارض مع المطالب المصرية قد تثير نزاعات مستقبلية بشأن أنشطة الاستكشاف والاستغلال، وتزيد من حالة عدم اليقين التي تؤثر في حسابات الاستثمار والتعاون في مجال الطاقة".

 

ويشير الجمال إلى البعد الاستراتيجي للمسألة، التي تتجاوز الموارد الاقتصادية إلى "طبيعة التوازنات الإقليمية"، موضحاً أن البحر المتوسط يمثل "مجالاً حيوياً للأمن القومي المصري، كما أن ليبيا ترتبط بالأمن المصري ارتباطاً مباشراً بحكم الجغرافيا والحدود والمصالح المشتركة".

 

على الجهة التركية، يختلف الرأي لدى الباحث في مركز "سيتا" للدراسات الأستاذ المشارك مراد أصلان. فالاتفاقية وقّعتها الحكومة الليبية ووافق عليها مجلس النواب، رغم أن الطرفين يقفان على طرفي نقيض في الصراع على السلطة، "وهذا يعني أن الاتفاقية تتمتع بالشرعية والمشروعية القانونية"، وفق ما يؤكد لـ"النهار".

 

ويتساءل أصلان عن سبب إحجام مصر عن توقيع اتفاق مع تركيا وليبيا لتوسيع منطقتها الاقتصادية الخالصة، ولا سيما أن هذه المناطق غنية بالموارد الطبيعية. ويقول: "إذا استمرت مصر في التمسك بالاتفاقية القائمة فإنها تتنازل عن ثلث منطقتها الاقتصادية الخالصة لصالح اليونان والقبارصة اليونانيين، في الوقت الذي تستبعد فيه خيارات التعاون مع ليبيا وتركيا".

 

سفينة الأبحاث التركية عروج ريس قبالة أنطاليا، 12 آب/أغسطس 2020. (أ ب)
سفينة الأبحاث التركية عروج ريس قبالة أنطاليا، 12 آب/أغسطس 2020. (أ ب)

 

قضية توازنات

في عام 1925، تولّت السلطات البريطانية في مصر والإيطالية في ليبيا ترسيم الحدود البرية بين الدولتين نيابة عنهما، وهي تمتد لأكثر من 1100 كيلومتر.

 

أما الحدود البحرية، فبقيت من دون ترسيم متفق عليه، ولم تنجح محاولات الدولتين بعد الاستقلال في حسمها، إلى أن أعلنت مصر عام 2022 ترسيم حدودها البحرية الغربية، بناءً على إحداثيات فنية أودعتها رسمياً لدى الأمم المتحدة. لكن الخطوة بقيت من طرف واحد، ومع اكتشافات الغاز الضخمة في شرق المتوسط، اتسع الخلاف ليأخذ أبعاداً جيوسياسية واقتصادية.

 

وفي العلاقة بين تركيا ومصر، بقي هذا الملف الخلافي قائماً رغم التقارب خلال السنوات القليلة الماضية، وصولاً إلى توقيع اتفاقية تعاون عسكري في شباط/فبراير الماضي، بعد خلافات تعمّقت عام 2013 عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. وهو خلاف يندرج ضمن الصراع على النفوذ في شرق المتوسط وملف الطاقة، وأعاده تصديق البرلمان الليبي إلى الواجهة.

 

في هذا السياق، يعتبر الجمال أن ملف الحدود البحرية يكشف مدى قدرة القاهرة وأنقرة على "الفصل بين الملفات التي يمكن التعاون بشأنها، والملفات التي تتطلب تفاوضاً مباشراً وجاداً".

 

ويلفت إلى أنه إذا استمرت تركيا في التعامل مع الاتفاق باعتباره "أمراً نهائياً لا يقبل النقاش، بينما ترى مصر أنه يمس حقوقها البحرية"، فقد ينعكس ذلك على مستوى "الثقة السياسية" بين البلدين، وقد يمتد أثره إلى ملفات أخرى، "سواء في ليبيا أو شرق المتوسط أو ترتيبات التعاون الإقليمي".

 

لكنه يستدرك بأن "تدهور العلاقات ليس نتيجة حتمية. فوجود مصالح مشتركة في التجارة والاستثمار والاستقرار الإقليمي يوفر دوافع لاستمرار الحوار، حتى مع بقاء الخلافات". ويربط ذلك بـ"قدرة الطرفين على إدارته دون الإضرار بالمصالح الأساسية لأي منهما".

 

من جهته، يرى أصلان أن الترسيم البحري المصري جاء "وفق تصور توسعي يسعى إلى تحقيق أقصى المكاسب الممكنة"، ويعتقد أن "الحكمة تقتضي الدخول في مفاوضات، ثم التوصل إلى اتفاق بالتعاون مع ليبيا وتركيا، بما يخدم المصالح المصرية". ويدعو الجانب المصري إلى تحديد الاستراتيجية الأكثر ملاءمة لتحقيق مصالح ليبيا والشعب المصري على حد سواء، مع إعطاء الأولوية للتفاوض وتجنّب الصراع.

 

ويضيف الباحث المتخصص في قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية: "لقد استثمرت مصر في دعم خليفة حفتر خلال الصراع في ليبيا عامي 2019 و2020، لكنه خسر في نهاية المطاف". ويلفت إلى أن تركيا ومصر اتفقتا على مناقشة الملف الليبي بما يحقق مصالحهما المشتركة، فيما عملت أنقرة على "تطبيع علاقاتها مع خليفة حفتر".


مسارات الردّ

تضع التحديات الجيوسياسية التي يعيشها الشرق الأوسط والخليج العربي ومنطقة البحر الأحمر الأطراف المعنية بهذا الخلاف أمام خيارات صعبة.

 

فالترسيم البحري يمنح تركيا امتيازاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، ويعزّز موقعها على خريطة سلاسل الطاقة وإمداداتها. أما بالنسبة إلى مصر، فيثير مخاوف من تقليص دورها الجيوسياسي في البحر المتوسط، ومن امتداد المنافسة إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتمتع تركيا بحضور مؤثر.

 

وفي الوقت ذاته، تحتاج الدولتان إلى اتفاقهما الدفاعي والتنسيق المستمر، في ظل المخاطر التي تطاول الملاحة في مضيق هرمز وقناة السويس، وتهديد أمن الخليج وتصاعد الدور الإسرائيلي.

 

بناءً على ذلك، يرى الجمال أن التعامل مع هذا الملف ينبغي أن يقوم على مجموعة من المسارات المتكاملة، في مقدمتها المسار القانوني والديبلوماسي، "مع إبقاء جميع الخيارات المشروعة متاحة لحماية المصالح المصرية".

 

ويوضح أن المسار القانوني بدأ بالفعل مع إيداع القاهرة اعتراضها الرسمي لدى الأمم المتحدة على الاتفاق التركي الليبي، مع "احتفاظها بحقها في حماية مصالحها البحرية والتصدي لأي محاولة للإخلال بها".

 

ويضاف إلى ذلك البحث عن ترتيبات تحول دون اتخاذ إجراءات أحادية تزيد تعقيد الموقف، شرط "ألّا يتحول الحوار إلى مجرد وسيلة لشراء الوقت أو تكريس أمر واقع ترفضه القاهرة".

 

وينبّه الجمال إلى أن حماية الحقوق الوطنية "لا تعني بالضرورة الانتقال إلى خيارات عسكرية أو اتخاذ خطوات تصعيدية غير محسوبة". فالمطلوب امتلاك القدرة على حماية المصالح المصرية، مع إعطاء الأولوية للأدوات القانونية والديبلوماسية، و"تقدير تبعات أي خطوة وفقاً لموازين المصالح والمخاطر"، بما يجنّب توسيع دائرة النزاع أو الإضرار بأمن المنطقة واستقرارها.

 

تقابل المسارات المصرية مسارات تركية يعرضها أصلان، داعياً إلى النظر إلى التطورات والتهديدات والمشهد العام من منظور أوسع، مع أخذ جميع العوامل في الحسبان.

 

فمن الناحية الاقتصادية، يتمسّك بتقديره أن مصر "خسرت ثلث منطقتها الاقتصادية الخالصة من خلال توقيع اتفاقيات مع اليونان وقبرص اليونانية"، ويعتبر أنه لا يوجد ما يبرر تنازلها عن أي جزء إضافي منها، وأن "توقيع اتفاق مع ليبيا وتركيا قد يتيح لها الحصول على مساحة أكبر".

 

كما يدعو إلى تقييم المسألة في ضوء المتطلبات الإقليمية، قائلاً: "إذا كان البلدان يشتركان في الهويات الثقافية والسياسية والإقليمية نفسها، فلا داعي لأن يدخل أحدهما في مواجهة مع الآخر".

 

ويتوقع في نهاية الأمر "أن تتبنى مصر نهجاً متوازناً على المدى الطويل".

الأكثر قراءة

ثقافة 10/24/2026 2:28:00 PM
أثار الروائي الجزائري حامد ياسين تعاطفاً واسعاً بعد انتشار فيديو لبكائه خلال حفل توقيع روايته "الصحراء عاصمة الضباب"، في مشهد أعاد النقاش حول أزمة القراءة والترويج للكتب.
فن ومشاهير 10/24/2026 11:25:00 AM
أسدل الستار على فعاليات ختام مهرجان الجونة السينمائي 2026 وسط أجواء مفعمة بالبهجة ورقص النجوم، إلى جانب تتويج أبرز الأفلام وتألق النجمات بإطلالات ساحرة.
رياضة 10/23/2026 2:17:00 PM
تعرف على موعد حفل الكرة الذهبية 2026 في لندن، وعلى المرشحين البارزين والقنوات الناقلة ونظام التصويت الكامل للجائزة الأبرز في كرة القدم ومن هم الفائزون منذ عام 2005؟
رياضة 10/24/2026 12:38:00 AM
تفاصيل مباراة الترجي التونسي والسويحلي الليبي في إياب الدور التمهيدي بدوري أبطال أفريقيا 2026 على الملعب الأولمبي حمادي العقربي برادس.