"الأمن المائي قضية وجودية"... مدبولي: السلام لا يُبنى على اقتلاع شعب من أرضه
أكّد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في كلمته أمام الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة الجمعة أن مصر "تؤمن أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون والتكامل لا للصراع".
وشدّد على أن مصر "تؤمن بأن الأمن المائي والتنمية ليسا هدفين متعارضين، بل متكاملين إذا وجدت الإرادة السياسية وحسنت النوايا وتم احترام القانون الدولي".
وقال إن القاهرة لا تقف ضد حق أي شعب في التنمية، لكّنه تابع: "تحتفظ مصر بحقّها المشروع المكفول من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بحماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها".
واعتبر أن الموارد المشتركة لا تُدار بإجراءات أحادية أو بسياسة فرض الأمر الواقع، وإنما بالتعاون وحسن الجوار والتوصّل إلى اتفاقات ملزمة، وفقاً للقانون الدولي، تحفظ الحقوق والمصالح المشروعة للجميع.
عن فلسطين...
إلى ذلك، رأى مدبولي أن ما شهده الشعب الفلسطيني ولا يزال يتعرّض له من معاناة وقمع وانتهاكات "لا يجوز أن يتحوّل إلى واقع مألوف، أو إلى أزمة ممتدة تدار من جولة إلى أخرى".
وأكّد أن تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وضمان الالتزام الكامل به ووقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية واستكمال الانسحاب وتأمين وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة أعمالها ومن ثم الانتقال الفوري إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار "ليست خطوات إنسانية فحسب، بل إنّها المدخل الضروري إلى مسار سياسي جاد يعالج جذور الصراع".
وأردف: "السلام لا يمكن أن يبنى على اقتلاع شعب من أرضه، وكل تصوّر أنّه بالإمكان تحقيق استقرار في المنطقة في ظل تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني، واستمرار سياسة إدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه، هو محض وهم وخيال".

وقال: "سيظل الهدف واضحاً لا لبس فيه: تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمتصلة جغرافياً على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، فى إطار حل الدولتين ووفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ويقتضى ذلك الحفاظ على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه وبناء دولته، وتحمّل المجتمع الدولي لمسؤوليته فى حماية المدنيين ورفض العقاب الجماعي وضمان احترام القانون الدولى الإنساني، ويقتضى التعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها غير قابلة للتصرّف، لا أوراقاً تفاوضية تُمنح أو تُسحب وفقاً لموازين القوة أو المزايدات السياسية والحسابات الانتخابية".
ولفت إلى أن مصر تحمّلت مسؤوليتها بالتعاون مع الشركاء من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، كما كانت أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية التى وصلت إلى قطاع غزة، مؤكّداً مواصلة مصر العمل من أجل إعادة الإعمار وفتح أفق سياسي قابل للحياة، موضحاً أن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بإرادة دولية تُحوّل الشرعية إلى فعل دولي حاسم، ينتقل من إدارة المأساة إلى إنهاء أسبابها.
ملف السودان
وتطرّق مدبولي للملف السوداني، لافتاً إلى "أنّنا نقف أمام أزمة السودان الشقيق، التى تتجاوز فى آثارها حدود المواجهات العسكرية لتطال أمن وسلامة المدنيين، وتحمل مخاطر تفكيك مؤسسات الدولة. وفي مواجهة تلك التهديدات والمخاطر، يجد السودان الشقيق فى مصر سنداً قوياً لشعبه ولحقّه في الوحدة، وفى مؤسسات قادرة على صون مقدراته، وفى عدالة تنتصر لكرامته".
الأمن الإقليمي
في الموازاة، اعتبر رئيس وزراء مصر أن "تجربة منطقتنا تشير إلى أن إدارة الأزمات بدلاً من حلّها لا تصنع استقراراً، وإنّما تؤجّل الانفجار وتضاعف كلفته. ومن هنا، تتمسّك مصر برؤية واضحة للأمن الإقليمي، تقوم على سيادة الدول ووحدة أراضيها، واحترام مؤسساتها الوطنية، ورفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية لها، وإعلاء الحلول السياسية والتسويات الوطنية الجامعة فوق منطق القوة وفرض الأمر الواقع".
وأكّد أن "الأمن كل لا يتجزأ، ولا يمكن أن يقوم أمن دولة على انعدام أمن جيرانها، أو على تهديد طرق الملاحة والتجارة والطاقة، أو على انتهاك سيادة الدول وقصفها بالمخالفة للقانون الدولي".
من إصلاح النظام الدولي إلى الذكاء الاصطناعي
إلى ذلك، أكّد رئيس الوزراء المصري ضرورة إصلاح مؤسسات النظام الدولي بما يعكس واقع العالم اليوم، مشدّداً على تمسّك مصر بإصلاح حقيقي وشامل لـ مجلس الأمن، بما يعالج الظلم التاريخي الواقع على أفريقيا.
ودعا إلى إصلاح بنية التمويل الدولي، معتبراً أن الدول النامية تواجه أعباء ديون متزايدة وكلفة تمويل أعلى وحيزاً مالياً أضيق، وقال إن العالم يحتاج إلى مؤسسات مالية أكثر تمثيلاً واستجابة، وتوسيع التمويل الميسر، وتعزيز قدرة بنوك التنمية متعدّدة الأطراف، وتسريع معالجة الديون بصورة عادلة وفعالة، مشدّداً على أن التنمية "ليست منحة، بل حق ومصلحة مشتركة".
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، دعا إلى وضع أطر عالمية لحوكمة التكنولوجيا تضمن الشفافية والمساءلة وعدم التمييز والإشراف البشري واحترام القانون الدولي، إلى جانب نقل المعرفة والتكنولوجيا وتمويل البنية التحتية الرقمية وتطوير المهارات، مؤكّداً ضرورة تمثيل اللغات والمجتمعات العربية والأفريقية بشكل عادل في بيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي ملف المناخ، شدّد مدبولي على أن الانتقال الأخضر يجب أن يكون عادلاً، وأن يترافق العمل المناخي مع التنمية ومكافحة الفقر وخلق فرص العمل، مع التركيز على تمويل التكيف والأمنين المائي والغذائي، معتبراً أن التحدي بات في تنفيذ التعهدات وتحويلها إلى تمويل ومشاريع وتكنولوجيا للدول الأكثر احتياجاً.
نبض