ترتيبات أمنية لساحل ليبيا الغربي... من يملك قرار التنفيذ؟
تسعى الأمم المتحدة إلى دعم الترتيبات الأمنية في الساحل الغربي الليبي، حيث تتداخل مناطق نفوذ التشكيلات المسلحة مع نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة. وفي منطقة تعاني ضعف السيطرة المركزية، تبرز قدرة الجهات المشاركة في هذه الترتيبات على تنفيذ التزاماتها، ومدى تأثير داعميها الخارجيين، عاملين حاسمين في فرص استعادة سلطة الدولة وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية.
في هذا السياق، عقدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، اجتماعاً قبل أيام مع لجنة الترتيبات الأمنية بمدن الساحل الغربي، برئاسة الفريق مصطفى يحيى. وتناول اللقاء ما تحقق في تنفيذ الترتيبات، وتحسين التنسيق بين الجهات الأمنية، والعقبات المرتبطة بالدعم المؤسسي والموارد اللازمة.
وأكدت تيتيه استعداد البعثة لمواصلة دعم اللجنة، مشددة على أهمية التعاون المستدام لتعزيز الاستقرار وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في المدن الممتدة غرب طرابلس وصولاً إلى الحدود مع تونس، حيث تستفيد شبكات تهريب البشر والوقود من تعدد مراكز النفوذ والثغرات الأمنية.

نفوذ الخارج وحدود التفاهمات
ولا يشعر الحقوقي الليبي البارز طارق لملوم، في تصريح خاص لـ"النهار"، بتفاؤل كبير تجاه الاجتماعات والتحركات الأممية المتعلقة بالترتيبات الأمنية، رغم إقراره بأهميتها في تخفيف التوتر وفتح قنوات للتواصل بين الأطراف، موضحاً أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت فجوة كبيرة بين ما يتم الاتفاق عليه داخل قاعات الاجتماعات وما يحدث لاحقاً على الأرض.
ويرى لملوم أن الأمم المتحدة تدرك هشاشة الوضع الأمني، خصوصاً في الساحل الغربي، بعدما تحدثت مرات عدة عن ارتباط التنافس بين الجماعات المسلحة بأنشطة التهريب والاتجار بالبشر وتهريب الوقود، وعن الحاجة إلى مؤسسات أمنية موحدة ومهنية. لكنه يعتقد أن الأزمة الليبية تجاوزت منذ سنوات حدود الأطراف الموجودة داخل البلاد، معتبراً أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية ستظل محدودة الأثر ما لم يسبقها أو يرافقها تفاهم حقيقي بين الدول الخارجية المؤثرة والداعمة لأطراف الصراع.
ويقول إن اتفاق هذه الدول على وقف استخدام ليبيا ساحةً لتنافس المصالح سيجعل من الممكن الضغط على حلفائها وشركائها في الداخل للانخراط في تسوية حقيقية.
ويشير إلى أن الأشخاص الذين يظهرون في مثل هذه الاجتماعات "ليسوا بالضرورة أصحاب القرار النهائي والقدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه"، معتبراً أن الاجتماعات قد تسهم في خفض التوتر موقتاً، وهو أمر مهم لحماية المدنيين، لكنها لن تعيد سلطة الدولة بمعناها الحقيقي ما دامت مراكز القوة والسلاح متعددة.
ويرى لملوم أن المسارين الأمني والسياسي مرتبطان بصورة وثيقة، لكن المشكلة، في تقديره، أعمق من جمع شخصيات ليبية حول طاولة سياسية أو أمنية، إذ بات القرار موزعاً بين عدد كبير من الفاعلين، ولا يملك أي طرف القرار الليبي كاملاً. ويحذر من أن كثرة الأطراف المتدخلة في القرار الليبي تجعل عنصر المفاجأة حاضراً في أي لحظة، فأي تحالف جديد أو صدام مفاجئ قد يغير التفاهمات السابقة. لذلك، فالمعيار الحقيقي ليس الصورة التي تخرج من الاجتماع، وإنما من يملك القدرة على تنفيذ الاتفاق في اليوم التالي، ومن يستطيع ضمان استمراره.

المسار السياسي خلف التحرك الأمني
يتزامن هذا التحرك مع سعي البعثة الأممية إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية ذات صدقية. وخلال الاجتماع، أكدت تيتيه أن مبادرة "الاجتماع المصغر" تأتي ضمن خريطة طريق أوسع، مع استمرار المشاورات مع مختلف الأطراف في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والمصالحة.
وفي قراءة للأهداف السياسية للاجتماع، يرى مدير "مركز ليبيا للدراسات الأمنية والعسكرية" شريف عبد الله بوفردة أنه يحمل أبعاداً سياسية، موضحاً في تصريح خاص لـ"النهار" أن هدفه الرئيسي هو التسويق لما تم التوصل إليه من اتفاق في المسار السياسي، المعروف بصيغة "لجنة 4+4"، ولا سيما لدى أطراف النزاع في المنطقة العربية، ومحاولة إقناعها بالموافقة عليه باعتباره فرصة لتحريك المياه الراكدة والدفع نحو حل سياسي للأزمة الليبية.
وعلى الصعيد الأمني، يربط بوفردة نجاح مثل هذه اللقاءات بمدى القدرة على تطبيق الترتيبات الجديدة على الأرض، مستبعداً في الوقت نفسه تحقيق تنسيق أمني مستدام بين الأجهزة في المنطقة الغربية، التي تحتاج، برأيه، إلى حزمة متكاملة من الحلول لمعالجة المعضلات الأمنية التي تواجه سكانها، وتمكين السلطة الرسمية من بسط سيطرتها على مختلف المدن والمناطق.
نبض