"داعش" يُعيد بناء شبكاته في ليبيا... تجنيد فتيات ومسارات من سوريا

شمال إفريقيا 03-09-2026 | 12:46

"داعش" يُعيد بناء شبكاته في ليبيا... تجنيد فتيات ومسارات من سوريا

من تجنيد فتيات إلى تهريب نساء وأطفال من سوريا، تكشف خيوط "داعش" في ليبيا شبكة أوسع من المقاتلين أنفسهم... فمن يدير الطريق خلف الكواليس فعلاً؟

"داعش" يُعيد بناء شبكاته في ليبيا... تجنيد فتيات ومسارات من سوريا
عناصر قال "داعش" إنهم من مقاتليه في جنوب ليبيا، خلال إفطار جماعي ظهرت فيه أسلحة، ضمن صور دعائية نشرها التنظيم في رمضان عام 2022. (إعلام التنظيم)
Smaller Bigger

تكشف عمليات أمنية حديثة في ليبيا وجهاً مختلفاً للتهديد الذي يمثله "داعش". فالتنظيم الذي خسر قبل سنوات قدرته على السيطرة على مدن وأراضٍ، يتحرك اليوم عبر خلايا صغيرة وشبكات تجنيد ومسارات تهريب عابرة للحدود، مستفيداً من موقع ليبيا بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل ومن مساحات واسعة يصعب إخضاعها لرقابة أمنية متواصلة.

وأظهر التقرير الـ38 لفريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع لمجلس الأمن أن جهاز الاستخبارات الليبي اعتقل أكثر من 15 مشتبهاً بهم مرتبطين بـ"داعش"، بينهم أشخاص عملوا في توفير الأسلحة والدعم اللوجستي، وفكك شبكات عدة للتجنيد، بينها خلية جندت فتيات لتنفيذ هجمات على مؤسسات تعليمية. كما تحدث عن ضبط نساء وأطفال جرى تهريبهم من سوريا باستخدام جوازات سفر مزورة.

 

خلايا صغيرة بدل السيطرة على المدن

 

ولا يقدم التقرير تفاصيل عن عدد الفتيات اللواتي جرى تجنيدهن أو أعمارهن أو المؤسسات التعليمية المستهدفة، كما لا يحدد مدى تقدم المخططات قبل تفكيك الخلية. إلا أن المعطيات تفتح نافذة على طريقة عمل التنظيم في مرحلة باتت فيها الشبكات الصغيرة أكثر أهمية من السيطرة العلنية على الأرض.

يقدّر التقرير عدد مقاتلي "داعش" في ليبيا بنحو 100 عنصر يعملون في خلايا صغيرة، خصوصاً في منطقة فزان جنوب البلاد، تدعمهم مئات العناصر المتعاطفة، فيما يتزايد اعتماد التنظيم على الدعاية والتجنيد عبر الإنترنت.

ويقول المستشار في مجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بوالرايقة لـ"النهار" إن التحول الأبرز يكمن في طريقة استخدام التنظيم للجغرافيا الليبية. فبعد خسارته تجربة السيطرة على مدن مثل سرت، بات أكثر اهتماماً بـ"الحركة والاختباء والتمويل والتهريب وربط شبكات شمال أفريقيا بالساحل".

وتمنح الجغرافيا هذا النموذج مساحة واسعة للحركة. فليبيا تتوسط شمال أفريقيا وتطل على البحر المتوسط، فيما يمتد جنوبها إلى فضاء الساحل والصحراء عبر حدود طويلة ومناطق يصعب مراقبتها بالكامل.

لهذا، بحسب بوالرايقة، لا ينبغي قياس الخطر بعدد المقاتلين وحده. فقد يكون التنظيم أضعف عسكرياً مما كان عليه قبل سنوات، لكنه يستطيع استخدام شبكات التهريب القائمة أصلاً لنقل الأشخاص والأموال والأسلحة وربط خلايا موزعة بين أكثر من دولة.

ويتقاطع ذلك مع خلاصة التقرير الأممي الذي اعتبر أن الضغط المستمر لمكافحة الإرهاب أبقى "داعش" و"القاعدة" في شمال أفريقيا تحت الضغط، فيما استمر التنظيمان في استغلال جيوب محدودة تعاني ضعف الحوكمة، وخصوصاً قرب حدود منطقة الساحل.

 

عناصر قال تنظيم داعش إنهم من مقاتليه في جنوب ليبيا، خلال إعداد الطعام في صور دعائية نشرها التنظيم في رمضان عام 2022. (إعلام التنظيم)
عناصر قال تنظيم داعش إنهم من مقاتليه في جنوب ليبيا، خلال إعداد الطعام في صور دعائية نشرها التنظيم في رمضان عام 2022. (إعلام التنظيم)

 

من سوريا إلى ليبيا... من يفتح الطريق؟

 

وتبرز خطورة الشبكات العابرة للحدود بصورة أوضح في كشف السلطات الليبية نساء وأطفالاً جرى تهريبهم من سوريا بجوازات سفر مزورة، في وقت يثير مصير آلاف الأشخاص المرتبطين بـ"داعش" في سوريا قلقاً أمنياً متزايداً.

وبالنسبة إلى بوالرايقة، لا تكمن القضية الأساسية في الشخص الذي وصل إلى ليبيا، وإنما في السلسلة التي أوصلته إليها. فالحصول على وثيقة مزورة والانتقال بين محطات عدة والتواصل مع مهربين والوصول إلى وجهة نهائية يعني وجود شبكة من الممولين والمزورين والوسطاء والمستقبلين.

ويعتبر أن القبض على الشخص يمثل بداية التحقيق الأمني، بينما تكمن الأولوية في الوصول إلى الحلقات التي جعلت الرحلة ممكنة، لأن بقاء هذه الشبكات يعني أن المسار نفسه يمكن استخدامه لنقل آخرين.

وتزداد حساسية هذا المسار مع التطورات في سوريا. فالتقرير نفسه يشير إلى أن ما بين 15 ألفاً و20 ألف شخص مرتبطين بـ"داعش"، غالبيتهم من النساء والأطفال، ظل مصيرهم غير محسوم بعد إغلاق مخيم الهول في 22 شباط/فبراير، فيما قدّرت دول أعضاء أن أكثر من ألف منهم ربما التحقوا بالتنظيم أو بجماعات مسلحة أخرى.

ولا تكفي المعطيات المتاحة، بحسب بوالرايقة، للقول إن ليبيا تحولت إلى منصة لانطلاق "داعش" نحو أوروبا. إلا أن طرق الهجرة والتهريب عبر المتوسط تبقى بنية جاهزة يمكن لشبكات متطرفة محاولة استغلالها، ما يرفع أهمية العمل الاستخباري على امتداد الطريق بدلاً من التركيز على نقطة الوصول وحدها.

 

ويأتي هذا النشاط في بيئة أمنية لا تزال تعاني انقسامات وثغرات واسعة. وفي 10 آب/أغسطس، قُتل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا فوزي المنصوري بانفجار عبوة في سيارته في بنغازي، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم الذي حمل بصمات الجماعات الإرهابية، فيما فتحت السلطات تحقيقاً في العملية.

 

الجنوب بوابة إلى الساحل

 

ويمتد التهديد كذلك إلى نشاط "القاعدة" في جنوب غربي ليبيا. ويشير التقرير الأممي إلى أن عناصر التنظيم لا تزال تستفيد من الروابط القبلية للحفاظ على شبكات دعم لوجستي مرتبطة بفروعه في منطقة الساحل.

وتظهر أهمية العمق الساحلي بصورة خاصة في النيجر، التي أصبحت منطقة العمليات الرئيسية لتنظيم "داعش في الصحراء الكبرى"، واستحوذت على 75 في المئة من الهجمات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها خلال 2026. ويقدّر التقرير عدد عناصر التنظيم في المنطقة بنحو ألفي مقاتل، مع ارتفاع واضح في قدراته العملياتية.

وهنا يرى بوالرايقة أن صورة التنظيم التقليدية قد تكون مضللة عند البحث عن الخطر الجديد. فبدلاً من المعسكر قد يكون هناك منزل آمن، وبدلاً من رتل المقاتلين سيارة تهريب، وبدلاً من قائد ظاهر ممول أو وسيط يعمل داخل الشبكة من دون حمل السلاح.

ومن هذا المنطلق، يشدد على ضرورة دمج المعلومات بين أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي والقوات المسلحة وحرس الحدود والجمارك وأجهزة الهجرة والجهات المالية، مع إعطاء الجنوب الليبي أولوية والتوسع في التعاون الاستخباري مع دول الجوار.

وتشمل المهمة أيضاً تتبع شركات الواجهة والتحويلات المالية المشبوهة وشبكات تهريب البشر والسلاح والذهب والوقود، إلى جانب رصد التجنيد الرقمي. فالتحدي الذي تكشفه المعطيات الأممية لا يتمثل في عودة "داعش" إلى نموذج سرت، وإنما في قدرته على البقاء داخل شبكة يصعب رؤيتها كاملة: مجند في مكان، ومزور في مكان آخر، ومهرب يعبر الحدود، وممول يظل بعيداً من المشهد.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
لبنان 9/2/2026 5:29:00 PM
توقيف جورج ديب المعروف بـ"دكتور فود" في لبنان بتهم المخدرات والسرقة بعد حكم غيابي بالأشغال الشاقة المؤبدة وقضية تهريب المخدرات.