تونس بين 2011 و2026... لماذا تقدّم الماء والكهرباء على الدستور؟
منذ ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011، لم يهدأ الشارع التونسي، الذي عاش أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية طبعت واحدة من أهم الفترات في تاريخ البلاد الحديث.
وفيما احتلت الحريات والديموقراطية والدستور موقعاً متقدماً في النقاش العام خلال السنوات الأولى للثورة في تونس، أصبحت الملفات المعيشية والخدمات الأساسية، من التشغيل والصحة والنقل إلى الماء والكهرباء، في صدارة اهتمامات التونسيين خلال الأعوام الأخيرة.
لكل مرحلة أولوياتها
يرى الباحث والمحلل السياسي طارق الكحلاوي أن "أولويات التونسي تتفاعل مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي"، وأن طبيعة الأزمة هي التي تحدد اهتمامات الشارع ومطالبه.
ويشير، في تصريح لـ"النهار"، إلى أن عام 2013 شهد أزمة ذات طابع أمني، إذ عاش البلد على وقع اغتيالات سياسية وعمليات إرهابية، فتركزت المطالب آنذاك على الأمن ومواجهة الإرهاب.
ومع تفاقم أزمة كوفيد-19 عام 2021، أصبحت الأولوية صحية، وفق قوله، إذ نزل التونسيون إلى الشارع مع ارتفاع عدد الإصابات وتسجيل عدد كبير من الوفيات، للمطالبة بحقهم في اللقاحات. أما اليوم، فتتركز الاحتجاجات خصوصاً على الكهرباء والماء، مع خروج مواطنين للمطالبة بتوفير هذه الخدمات الأساسية.
ويعتبر الكحلاوي أن الأزمات هي التي تحدد أولويات الشارع، مستشهداً باحتجاجات 2011، حين رفع المحتجون شعار "خبز وماء وبن علي لا". ويرى أن الشعار كان انعكاساً لأزمة في أسلوب الحكم، بعدما تحكمت عائلة الرئيس السابق زين العابدين بن علي في مفاصل واسعة من الدولة.
خيبات المسار الديموقراطي
يربط الكحلاوي التحول في أولويات التونسيين بالخيبات التي راكمها الشارع خلال السنوات الماضية.
ويقول إن التونسيين "أصيبوا بخيبات عديدة" بسبب الفجوة بين تطلعاتهم وما تحقق فعلياً، مشيراً إلى أن "الحرية والديموقراطية لا تؤديان آلياً إلى تحسن الأوضاع الاجتماعية".
ويضيف أن بعض التونسيين يشعرون بالندم على فشل المسار الديموقراطي، فيما يدرك قسم منهم أنه "من دون حرية وديموقراطية، ما كان له أن يتظاهر للمطالبة بالخدمات المعيشية".
ويضع الكحلاوي هذا الوضع ضمن "معادلة صعبة ومركبة بين الحريات والمطالب الخدماتية"، إذ باتت المطالب الاجتماعية مرتبطة بقدرة النظام السياسي على الاستجابة لها.

كوفيد-19 و25 تموز... نقطة التحول
من جهته، يرى المحلل السياسي منذر ثابت، في تصريح لـ"النهار"، أن إعادة ترتيب أولويات الشارع بدأت في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة. ويقول إن الحريات والديموقراطية كانتا في الأساس "قضايا النخبة المثقفة والمسيّسة"، ولا سيما الشريحة العليا من الطبقة الوسطى التي انخرطت في المطالب السياسية والطموح الديموقراطي.
لكن أزمة كوفيد-19، وفق ثابت، شكّلت محطة مهمة في هذا التحول، بعدما كشفت اختلالات داخل منظومة الحكم في الجمهورية الثانية، القائمة على دستور 2014، وعمّقت "خيبة الأمل وأزمة الثقة" حيال الطبقة السياسية.
ويضيف أن المرحلة الانتقالية لم تفضِ إلى مصالحة وطنية شاملة، فيما تحولت الحياة العامة إلى مجال لهيمنة منظومة حزبية لم تنجح، بحسب تقديره، في إدارة الملف الاقتصادي ومعالجة مشكلات اجتماعية مزمنة، وفي مقدمها البطالة.
ويرى ثابت أن ذلك أدى إلى ما يسميه "حياداً سلبياً" حيال المسألة السياسية، أي تراجع المطلب الديموقراطي في سلم أولويات الشارع. ويصف 25 تموز/يوليو 2021 بأنه "تعبير عن قطيعة مع منظومة أحزاب" لم تؤدِّ وظيفتها، وكرّست، بحسب تقديره، "هيمنة الإسلام السياسي".
الخدمات في صدارة الاحتجاجات
بعد عام 2021، أصبحت القضايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية "ذات أولوية مطلقة"، وفق ثابت. وبات الرأي العام يبحث عن حلول لمشكلاته اليومية، بصرف النظر عن التصنيفات السياسية المتعلقة بالديموقراطية والتعددية والحريات.
وتجسد أزمتا الماء والكهرباء هذا التحول بصورة مباشرة. فمع تكرر الانقطاعات وارتفاع درجات الحرارة، أصبحت الخدمات الأساسية محوراً للاحتجاجات في مناطق عدة، فيما ارتبطت المطالب بمشكلات أوسع تشمل التشغيل والصحة والنقل والقدرة الشرائية.
هل يختفي المطلب السياسي؟
يرى ثابت أن تراجع الاهتمام بالقضايا السياسية ليس نهائياً، فالمطلب الديموقراطي "يعود تدريجاً" مع استمرار الصعوبات في ملفات التشغيل والهجرة والصحة والنقل.
ويقول إن كل ملف اجتماعي لا يجد حلاً يمكن أن يعيد المطلب السياسي إلى الواجهة، لأن عدم الاستجابة للحاجات الأساسية، من الصحة والتعليم والنقل إلى تحسين ظروف العيش، "يغذي بالضرورة إعادة المطلب السياسي إلى صدارة الاهتمامات والمطالب".
وبين الحريات والخدمات المعيشية، يستمر الجدل بشأن أولويات الشارع التونسي بعد 16 عاماً حافلة بالأزمات، في ظل عجز الحكومات المتتالية عن إيجاد حلول لعدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة.
نبض