تُغلق طريق فتُفتح أخرى... كيف تتغير الهجرة إلى ليبيا؟
كشفت بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن تشديد الإجراءات الأمنية والرقابة على الحدود الليبية لم يُترجم إلى تراجع في تدفقات الهجرة، إذ ارتفعت حركة الدخول إلى ليبيا عبر الحدود البرية بنسبة 23 في المئة خلال الربع الثاني من العام، بالتزامن مع تحولات واضحة في طرق العبور ووجهات المهاجرين.
طرق أطول وكلفة أعلى
وفق تقرير للمنظمة حمل عنوان "اتجاهات الهجرة على الحدود الليبية"، تراجعت حركة الدخول عبر الحدود مع النيجر بنسبة 18 في المئة، وسط تكثيف العمليات الأمنية والاعتقالات وتشديد الرقابة. في المقابل، ارتفع عدد القادمين من تشاد إلى الكفرة، جنوب ليبيا، بنسبة 8 في المئة، ومن إقليم بوركو-إنيدي-تيبستي، شمال تشاد، إلى مرزق الليبية بنسبة 28 في المئة.
وبات المسار التشادي يمثّل 36 في المئة من طرق الدخول إلى ليبيا، مقابل 34 في المئة للمسار المصري و19 في المئة للمسار النيجري.
ويرى الحقوقي الليبي المتخصص في ملف الهجرة طارق لملوم أن هذه الأرقام تؤكد أن "المقاربة الأمنية تستطيع الضغط على مسار معين أو تعطيله لفترة، لكنها لم تنجح في وقف حركة الهجرة نفسها". ويضيف، في تصريح لـ"النهار"، أن شبكات التهريب "تتكيف سريعاً مع الإجراءات الأمنية، فعندما يتعرض طريق للضغط، تتغير نقاط الدخول وطرق النقل والوسطاء، وبالتالي فإن تراجع الحركة على أحد المسارات لا يعني بالضرورة انخفاض أعداد الوافدين".
ومع تشديد الرقابة على الحدود مع النيجر، لجأ مهاجرون إلى طرق صحراوية أطول عبر تشاد، ما رفع كلفة الرحلات ومخاطرها، وفق تقرير المنظمة الذي لفت إلى تسجيل حالات وفاة مرتبطة بالجفاف والظروف الصحراوية القاسية. ويشير لملوم إلى أن هذه الإجراءات قد تدفع المهاجرين إلى استخدام طرق أكثر صعوبة وخطورة، مع زيادة الاعتماد على المهرّبين.
وفي الشرق، ارتفعت حركة الدخول من مصر بنسبة 6 في المئة، مدفوعة أساساً بفرص العمل ومشاريع الإعمار في شرق ليبيا. كما سجلت نقاط المراقبة وصول أعداد محدودة من السودانيين إلى الكفرة عبر طرق غير رسمية، رغم الإغلاق الرسمي للمعابر مع السودان.
أما الحدود الغربية، فشهدت زيادة لافتة، إذ ارتفعت حركة الدخول عبر تونس بنسبة 28 في المئة، بينما زادت الحركة عبر الجزائر بأكثر من الضعف. وتتداخل هذه الحركة مع التجارة غير الرسمية والروابط الاجتماعية والاقتصادية القديمة بين المجتمعات الحدودية، فضلاً عن شبكات تهريب السلع والمركبات، ما يجعل الحدود الغربية فضاءً تختلط فيه الهجرة بالاقتصاد الحدودي.
وتستند نتائج التقرير إلى 380 مقابلة مباشرة مع مهاجرين وصلوا إلى ليبيا عبر الحدود البرية خلال الفترة محل الدراسة. وأفاد 54 في المئة منهم بأن لديهم أفراداً من أسرهم يقيمون بالفعل في ليبيا، بينما قال 82 في المئة إن أسرهم أو أصدقاءهم في بلدانهم الأصلية شجعوهم على الهجرة.
ويبقى العامل الاقتصادي المحرك الأبرز، إذ أفاد 93 في المئة من المهاجرين بأن الأسباب الاقتصادية كانت دافعهم الرئيسي، وكان 82 في المئة منهم دون سن الثلاثين. واستعان 76 في المئة بخدمات ميسّري الهجرة، وبلغ متوسط كلفة الرحلة نحو 435 دولاراً، بينما موّل نصف المهاجرين رحلاتهم جزئياً أو كلياً بالاقتراض.

ليبيا وجهة للعمل أم محطة إلى أوروبا؟
يتعلق التحول الأهم بمستقبل رحلة المهاجر. فقد ارتفعت نسبة من ينوون البقاء في ليبيا من 29 في المئة في الربع الأول إلى 39 في المئة في الربع الثاني، بينما لم تتجاوز نسبة من يخططون لمواصلة الرحلة إلى أوروبا 8 في المئة. وقال 47 في المئة إنهم لا يملكون خطة محددة لوجهتهم المقبلة.
لكن لملوم يتحفظ على تفسير هذه المعدلات باعتبارها مؤشراً إلى تحول ليبيا إلى بلد استقرار دائم للمهاجرين. ويوضح لـ"النهار" أن "بعض القادمين، خصوصاً من دول الجوار مثل مصر والنيجر وتشاد، يدخلون ليبيا أساساً للعمل، ثم يعودون إلى بلدانهم بعد فترة. كما اضطر بعض السودانيين إلى البقاء بسبب الحرب وعدم توافر خيارات آمنة للعودة"، مؤكداً أن عدم حسم الوجهة لا يعني تلقائياً أن المهاجر يخطط للوصول إلى أوروبا.
أرقام موسمية أم تحوّل دائم؟
يؤكد توزيع الجنسيات استمرار هيمنة دول الجوار على حركة الدخول، إذ حل المصريون أولاً بنسبة 32 في المئة، يليهم مواطنو النيجر بنسبة 30 في المئة، ثم التشاديون بنسبة 11 في المئة. وبلغت نسبة السودانيين والتونسيين 5 في المئة لكل منهما، بينما شكّل الجزائريون أقل من 1 في المئة.
ومن بين القادمين من دول غير مجاورة، شكّل مواطنو نيجيريا 7 في المئة، والماليون 4 في المئة، والبوركينابيون 3 في المئة.
ويتحفظ لملوم كذلك على اعتبار التغيرات المسجلة خلال فصل واحد تحولات دائمة في مسارات الهجرة، موضحاً أن "الحركة مع دول الجوار تتأثر بالموسم والأوضاع الأمنية وفرص العمل ونشاط شبكات التهريب والإجراءات على جانبي الحدود".
ويرى أن السودان "يمثّل حالة مختلفة بسبب الحرب والنزوح، بينما ترتبط الحركة من تشاد والنيجر تاريخياً بالعمل الموسمي والدخول إلى ليبيا ثم العودة، ما يجعل الحكم على وجود تحول مستقر بحاجة إلى بيانات تمتد لعدة أرباع سنوية أو سنوات".
وفي سياق أوسع لتغير تركيبة المهاجرين، تشير أرقام السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تحول آخر، إذ انخفض عددهم من نحو 14,300 في عام 2020 إلى 3,526 حتى آب/أغسطس 2026، بتراجع يقارب 75 في المئة، مع خروج بعضهم إلى دول ثالثة أو عودتهم إلى سوريا، ومغادرة آخرين عبر البحر نحو أوروبا.
ويخلص لملوم إلى أن الهجرة في ليبيا "لا يمكن إدارتها أمنياً فقط"، موضحاً أن "الاعتقالات والمداهمات والترحيل وتشديد الحدود قد تغيّر الحركة موقتاً، لكنها لا تعالج أسبابها". ويؤكد أن البيانات تعكس "قدرة المهاجرين وشبكات التهريب على التكيف مع القيود أكثر من تراجع دوافع الحركة نفسها".
نبض