صيف الأزمات يهزّ تونس... دعوات إقالة الحكومة تصل إلى معسكر قيس سعيّد
تواجه الحكومة التونسية صيفاً ثقيلاً، بعدما تزامنت موجة حر استثنائية مع انقطاعات الكهرباء والمياه ونقص سلع أساسية، واتسعت معها رقعة الاحتجاجات الاجتماعية. وأعادت الأزمات اليومية مطلب إقالة الحكومة إلى الواجهة، قبل أن يمتد إلى أصوات محسوبة على داعمي الرئيس قيس سعيد ومسار 25 تموز/يوليو، فيما رفع تحرك جديد في العاصمة سقف المطالب إلى رحيل الرئيس نفسه.
ومنذ تموز الماضي، وجد التونسيون أنفسهم أمام انقطاعات متكررة للتيار والمياه مع درجات حرارة لامست 50 مئوية في بعض المناطق. وأثرت انقطاعات الكهرباء في محطات ضخ المياه والمصانع، بينما خلت رفوف كثيرة من قوارير المياه المعلبة، تحت ضغط ارتفاع الطلب وتعطل الإنتاج وتأخر وصول مواد أولية بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.
وامتدت الخسائر إلى القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمها الدواجن، حيث سجل بعض المربين نفوق أعداد كبيرة خلال فترات الحر والقطع الدوري للتيار. وكشفت الأزمة نقاط ضعف مزمنة في منظومة الطاقة، من محدودية قدرات الإنتاج وتقادم أجزاء من الشبكة إلى تأخر الاستثمارات، في وقت اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تقنين الإمدادات تفادياً لانقطاع شامل.
1101 تحركاً في شهر واحد
وثق المرصد الاجتماعي التونسي، التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 1101 تحركاً احتجاجياً في تونس خلال تموز 2026، وهي الحصيلة الأعلى للشهر نفسه خلال 10 سنوات.
وارتفع العدد بنسبة 27 في المئة مقارنة بحزيران/يونيو، الذي سجل 867 تحركاً، وبنحو 168 في المئة مقارنة بأيار/مايو، حين بلغ العدد 411 تحركاً.
وتصدر انقطاع مياه الشرب دوافع الاحتجاج بـ373 تحركاً، تلاه انقطاع الكهرباء بـ305 تحركات. وشكل الملفان معاً 678 تحركاً، أي أكثر من 60 في المئة من الإجمالي، في مؤشر إلى انتقال مركز الغضب من المطالب المهنية والقطاعية إلى تدهور الخدمات الأساسية.

من الخدمات إلى السياسة
استمر الزخم في آب/أغسطس. ففي 20 منه، تظاهر مئات في وسط العاصمة بدعوة من حراك "نَفَس" وقوى معارضة، ورفعوا مطالب اجتماعية وسياسية شملت تحسين خدمات الماء والكهرباء، ومعالجة نقص الأدوية وغلاء المعيشة، وإطلاق الموقوفين السياسيين، ورحيل سعيّد.
وأدخل التحرك أداء السلطة الرئاسية مباشرة في دائرة المساءلة، وربط الأزمات الخدمية بقدرة منظومة الحكم على إدارة الملفات اليومية والاستجابة لمطالب المواطنين.
وجاء ذلك فيما واصلت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ممارسة مهماتها، وترأست في اليوم نفسه اجتماعاً حكومياً دعت خلاله إلى الاستشراف والتخطيط والجاهزية المبكرة لموسم الأمطار. ولا يوجد حتى الآن أي قرار رسمي بتغيير الحكومة.
الإقالة من داخل الموالاة
ترى النائبة فاطمة المسدي أن الحكومة فشلت في التعامل مع الأزمات المتتالية التي تواجهها البلاد. وتقول لـ"النهار" إن الحكومة الحالية "يجب أن تستقيل"، معتبرة أنها أخفقت في إدارة أزمات الصيف، وأن المطلوب كان التحرك سريعاً لاحتواء تداعياتها والعمل على منع تكرارها.
وتكتسب دعوة المسدي دلالة سياسية إضافية، نظراً إلى كونها من الأصوات المحسوبة على داعمي مسار 25 تموز وخيارات سعيّد، ما يضع الانتقاد هذه المرة داخل دائرة المساندين، إلى جانب الدعوات الصادرة عن المعارضة.
وتدعو المسدي إلى تشكيل حكومة كفاءات قادرة على اتخاذ قرارات عملية، وتحذر من أن يقتصر التغيير على استبدال أسماء الوزراء من دون تعديل طريقة إدارة الدولة. وترى أن تعقيد الملفات المتراكمة "لا يعفي السلطة التنفيذية من الاستعداد ووضع خطط استباقية وضمان التنسيق بين الوزارات والتواصل مع المواطنين عند وقوع الأزمات".
الحكومة أم نظام الحكم؟
يذهب المحلل السياسي عبد السلام الزبيدي إلى أن ما شهدته تونس هذا الصيف يكشف أزمة أعمق. ويقول لـ"النهار" إن "ما حدث في هذا الصيف مؤشر، إن لم يكن دليلاً، على أزمة نظام حكم وليست أزمة حكومة"، معتبراً أن الدستور الصادر في 2022، والذي دخل عامه الخامس، "أظهر حدود النظام الرئاسوي الذي أرساه، ولا سيما مع حكومة محدودة الصلاحيات".
ويعيّن رئيس الجمهورية، وفق الدستور، رئيس الحكومة، كما يعيّن بقية أعضائها باقتراح من رئيس الحكومة، فيما يضبط السياسة العامة للدولة واختياراتها الأساسية، وتتولى الحكومة تنفيذها وفق توجهاته.
ويشير الزبيدي إلى أن "الدستور يلزم الرئيس بإعلام مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بهذه السياسات، وهو ما لم يحصل".
ويرى أن التطور الأبرز في دعوات إقالة الحكومة يتمثل في صدورها من داخل دائرة المساندين أيضاً، ما يشكل "نقلة نوعية" في المشهد السياسي.
ويقسم هذه الدعوات إلى "اتجاه يحمل الحكومة مسؤولية الأزمات ويقدم تغييرها مخرجاً، بما قد يعفي بقية مكونات منظومة الحكم من المسؤولية"، وآخر يعتبر إقالتها "ذراً للرماد في العيون".
ويضيف أن "المنظومة الحاكمة بدأت تعترف، بشكل أو بآخر، بفشل منظومة الحكم، من خلال اتخاذ الحكومة شماعة لإعلان فشل الخيارات السياسية". ويقول إن المطالب بإقالة حكومة الزنزري بدأت بعد أشهر من تشكيلها، قبل أن تتصاعد هذا الصيف، منتقداً ما يصفه بغياب رئيسة الحكومة عن إدارة عدد من الأزمات رغم مسؤوليتها عن تنسيق عمل الوزارات.
وبين حكومة تواجه حصيلة احتجاجية قياسية، وسلطة رئاسية تمسك بالسياسات العامة، يتسع الجدل بشأن الجهة التي تتحمل مسؤولية صيف الأزمات. أما تغيير الأسماء وحده، فيبقى موضع شك ما لم يقترن بسياسات تعالج جذور تعثر الخدمات وتعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
نبض