المسيّرات تغيّر قواعد الصراع في ليبيا... هل تربك أمن شمال أفريقيا؟
دخلت المسيّرات بقوة على خط الصراع في ليبيا، مع انتقال ضرباتها إلى منشآت حيوية مرتبطة بقطاعي النفط والكهرباء، في تطور يرفع مستوى المخاطر الأمنية ويفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز ساحات الاشتباك التقليدية.
وطالت سلسلة الهجمات الأخيرة منشآت في مدينة الزاوية، بينها مرافق نفطية ومحطة للكهرباء، مسلطة الضوء على تحول في استخدام المسيّرات داخل بلد يعاني منذ أكثر من 15 عاماً انقسام المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعدد القوى المسلحة.
وأظهرت الضربات قدرة هذا السلاح على الوصول إلى أهداف شديدة الحساسية اقتصادياً وخدمياً، بعدما تسببت إحدى الهجمات في حريق بخزان للوقود، فيما أدت ضربة أخرى إلى أضرار واسعة في محطة كهرباء جنوب الزاوية وانقطاع التيار عن مناطق مجاورة.
ويصف المحلل السياسي الليبي سمير جراي هذا التطور بأنه "نوعي في طبيعة الصراع الأمني والعسكري في البلاد"، معتبراً في تصريح لـ"النهار" أن المواجهات بدأت تقترب من نمط جديد من الحرب يمكن أن يطاول البنية التحتية والمنشآت التي تمس حياة المواطنين والاقتصاد الوطني مباشرة.
ويحذر جراي من أن استمرار استخدام المسيّرات للضغط أو الردع أو تصفية الحسابات بين الأطراف المتنافسة قد يوسع دائرة الأهداف مستقبلاً لتشمل منشآت النفط والكهرباء والمطارات والموانئ.
ويرى أن غياب سلطة أمنية وعسكرية موحدة قادرة على ضبط استخدام القوة وفرض "خطوط حمراء واضحة" يزيد صعوبة احتواء هذا المسار، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يدفع الأطراف الليبية إلى سباق تسلح جديد في مجال المسيّرات.
البنية التحتية في دائرة النار
بالنسبة إلى جراي، تحمل التطورات الأخيرة دلالة على تحول أدوات الصراع نفسه، خصوصاً مع وصول الهجمات إلى منشآت ترتبط مباشرة بالاقتصاد والخدمات اليومية.
وتكتسب هذه المخاطر حساسية مضاعفة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع النفط، فيما تمثل الكهرباء والمياه والبنية التحتية للطاقة ركائز أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ويقول جراي إن ما يحدث "ينبغي ألا يُقرأ كحوادث أمنية منفصلة، بل كمؤشر على تحول محتمل في أدوات الصراع الليبي"، محذراً من أن التراخي في التعامل معه قد يفتح المجال أمام مرحلة أكثر خطورة من صراع المجموعات المسلحة، سواء بصورة مباشرة أو عبر أطراف تعمل بالوكالة.

دول الجوار تراقب
ورغم بقاء الهجمات داخل الحدود الليبية حتى الآن، فإن انتشار المسيّرات بين القوى المسلحة يثير مخاوف من تحولها تدريجاً إلى مصدر تهديد أمني عابر للحدود.
ويرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، في تصريح لـ"النهار"، أن الحديث عن "تأثير مباشر" على دولة بعينها يبدو مبكراً، لكنه يشدد على أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في ليبيا "يقلق دول الجوار".
ويحذر محفوظ من أن امتلاك مجموعات غير رسمية أسلحة متطورة يرفع منسوب المخاطر، خصوصاً مع إمكان انتقال هذه الأسلحة إلى جماعات متطرفة أو جهات تسعى إلى زعزعة الاستقرار.
وبحسب محفوظ، ترتبط مصالح دول الجوار مباشرة باستقرار ليبيا، لأن استمرار الاضطراب الأمني يمكن أن ينعكس على أمن الدول المحيطة ومصالحها.
ويشير إلى أن دول الجوار كان يفترض أن تؤدي دوراً أكثر فاعلية في الدفع نحو إنهاء الأزمة، معتبراً أنها "لا تلعب حالياً دوراً فاعلاً" في هذا المسار.
ويربط محفوظ القلق أيضاً بطبيعة الجهات التي تمتلك المسيّرات وتستخدمها. ويستشهد باستهداف خزان في مصفاة الزاوية ومحطات كهرباء ومنشآت حيوية، معتبراً أن الجماعات التي تستهدف البنية التحتية "لا يمكن الوثوق بها".
ويشدد على أن استمرار انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية يهدد المصالح الليبية ومصالح دول الجوار في آن واحد.
تونس والجزائر أمام مخاطر جديدة
تتابع دول المنطقة تطورات ليبيا بحذر، نظراً إلى موقعها وحدودها الممتدة وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية مع محيطها.
وتراقب تونس خصوصاً المشهد الليبي بالنظر إلى الحدود المشتركة وحركة التجارة والأفراد بين البلدين، فيما تضع الجزائر التطورات في ليبيا ضمن حسابات أمنية أوسع ترتبط أيضاً بالاضطرابات المتواصلة في منطقة الساحل.
ويستبعد جراي في المرحلة الحالية حدوث تغيير جذري في الحسابات الأمنية لشمال أفريقيا، ويرى أن التطورات الأخيرة تندرج ضمن "صراع ليبي-ليبي" مرتبط بالتموضعات العسكرية والسياسية المقبلة.
ويرجح أن تسهم الترتيبات والصفقات السياسية في احتواء التصعيد، خصوصاً في ظل المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس لدعم توحيد المؤسسات الليبية ودفع المسار السياسي نحو سلطة موحدة وانتخابات وطنية.
ويرى جراي أن إحراز تقدم في هذا المسار قد يقلص احتمالات تحول التصعيد الحالي إلى حرب مفتوحة ذات تداعيات إقليمية واسعة.
ويبقى السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى دول المنطقة مرتبطاً بتحول المسيّرات إلى أداة دائمة في الصراع الليبي، بما يوسع انتشار هذه التكنولوجيا العسكرية في بيئة تعاني ضعف السيطرة المركزية على السلاح.
ويلتقي جراي ومحفوظ عند نقطة أساسية تتمثل في أن مستوى الخطر يرتبط بالجهات التي تمتلك المسيّرات وتستخدمها، وبقدرة الدولة على ضبط هذا السلاح. وفي ظل استمرار الانقسام، قد تجعل سهولة تشغيل المسيّرات وقدرتها على ضرب منشآت استراتيجية منها أحد أبرز التحديات الأمنية الجديدة أمام ليبيا ومحيطها في شمال أفريقيا.
نبض