طريق طبرق ـ كريت يدر الملايين... من يربح من اقتصاد الهجرة؟

شمال إفريقيا 18-08-2026 | 12:49

طريق طبرق ـ كريت يدر الملايين... من يربح من اقتصاد الهجرة؟

مسار الهجرة من شرق ليبيا إلى اليونان يتحول إلى تجارة تدر عشرات الملايين. من يقف خلف شبكات التهريب، وكيف أصبحت الرحلات ورقة ضغط سياسية على أوروبا؟
طريق طبرق ـ كريت يدر الملايين... من يربح من اقتصاد الهجرة؟
مهاجرون في ميناء أغيا غاليني في جزيرة كريت، بعد إنقاذ مئات المهاجرين قبالة كريت وغافدوس، في 6 تموز/يوليو 2025. (رويترز)
Smaller Bigger

لم تعد سواحل غرب ليبيا وحدها العنوان الأبرز على خريطة الهجرة غير النظامية نحو جنوب أوروبا. فبالتوازي مع تشديد الرقابة على المسارات التقليدية نحو إيطاليا، يتصاعد طريق آخر شرقاً، ينطلق خصوصاً من طبرق باتجاه جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين، محولاً هذا الخط إلى واحد من أبرز مسارات الهجرة عبر البحر المتوسط.

ومنذ مطلع العام الجاري، وصل آلاف المهاجرين عبر هذا المسار إلى اليونان، فيما تشير البيانات المتاحة إلى أن غالبية الوافدين ينحدرون من السودان ومصر وبنغلادش. وخلال الأسبوع الأول من آب/أغسطس الجاري وحده، وصل أو أُنقذ نحو 300 مهاجر قبالة السواحل الجنوبية للبلاد.

ولا تبدو هذه الأرقام مجرد حصيلة لعمليات إنقاذ متفرقة، وإنما مؤشر إلى تحول مستمر في جغرافيا الهجرة عبر المتوسط. فكلما اشتدت الرقابة على أحد المسارات، تبحث شبكات التهريب عن بدائل، ما يجعل الضغط الأمني قادراً على تغيير اتجاه التدفقات أكثر من إنهائها.

 

لماذا صعد مسار طبرق ـ كريت؟

 

يشير الحقوقي الليبي المتخصص في ملف الهجرة طارق لملوم إلى أن مسار طبرق ـ كريت وغافدوس ليس جديداً بالكامل، إذ سبقت محاولات محدودة للانطلاق من شرق ليبيا قبل أحداث عام 2011، لكنه ظل أقل أهمية من مسار غرب ليبيا ـ إيطاليا.

ويؤكد لـ"النهار" أن الرحلات إلى اليونان "توسعت بصورة أوضح بعد عام 2019، قبل أن تصبح أكثر كثافة وتنظيماً خلال السنوات الأخيرة". لكنه لا يرى أن طريق اليونان حل محل طريق إيطاليا، مؤكداً أن المسارين يعملان بالتوازي. فطريق إيطاليا مرتبط أساساً بالساحلين الغربي والوسطي لليبيا، بينما يعتمد خط اليونان بدرجة أكبر على شرق البلاد، وخصوصاً طبرق ومحيطها.

ويرى لملوم أن تشديد الرقابة على الهجرة إلى إيطاليا "قد يدفع بعض المهاجرين وشبكات التهريب إلى البحث عن بدائل"، لكنه يؤكد أن "صعود مسار طبرق ـ اليونان يرتبط أيضاً بتغير جغرافيا الهجرة داخل ليبيا، وزيادة أعداد النازحين السودانيين في مدن الشرق، فضلاً عن قرب طبرق من كريت".

وتكشف العمليات الأخيرة عن تعدد نقاط الوصول والانطلاق. ففي 3 آب/أغسطس، أُنقذ 56 مهاجراً قبالة كالا ليمينس بعد انطلاقهم من طبرق، فيما وصلت مجموعات أخرى إلى إيرابترا وجنوب غافدوس وجزيرة كريسي غير المأهولة. ووصلت إحدى الرحلات إلى رأس تينارو في البر الرئيسي اليوناني، في مؤشر إلى اتساع نطاق الحركة على هذا المسار.

 

سوق تدر عشرات الملايين

 

خلف هذه الرحلات سوق مالية يصعب تحديد حجمها بدقة. وتشير إفادات مهاجرين للسلطات اليونانية إلى تفاوت كبير في كلفة الرحلة بحسب نقطة الانطلاق والشبكة المستخدمة، إذ تظهر حالات موثقة دفع أصحابها آلاف الدولارات للفرد، ووصلت المبالغ في بعض الرحلات المنطلقة من طبرق إلى ما بين 8 و10 آلاف دولار.

ومع وصول آلاف المهاجرين عبر هذا المسار منذ مطلع العام، تكشف هذه الأرقام عن سوق تهريب تدر عشرات الملايين من الدولارات، من دون إمكان تحديد حجمها الفعلي في غياب بيانات عن المبالغ المدفوعة في جميع الرحلات، أو عن المهاجرين الذين اعتُرضت قواربهم وأعيدوا إلى ليبيا، أو الذين غرقوا بعد دفع كلفة الرحلة.

ويقول لملوم لـ"النهار" إنه "يصعب تصور أن نشاطاً بهذا الحجم والاستمرارية يمكن أن يعمل بالكامل من خلال مهربين صغار بعيداً عن أعين السلطات".

ويشير إلى أن المعلومات التي تصله من داخل طبرق تفيد بأن "أماكن التجميع والسيارات والمنازل والمخازن التي يستخدمها المهربون ليست كلها أماكن سرية، وأن بعض الأسماء معروفة محلياً". ويضيف أن "هناك معلومات متكررة بشأن تورط أفراد مرتبطين بجهات أمنية أو بحرية في تسهيل عمليات الخروج أو غض الطرف عنها مقابل المال".

ويرى لملوم أن نمطاً آخر يثير التساؤلات، ويتمثل في "اعتراض مجموعات وإعادتها إلى ليبيا، في حين تتمكن مجموعات أخرى من الوصول إلى البحر والانطلاق، وهو ما يجعل السؤال مشروعاً حيال من يُسمح له بالتحرك، ومن يتم توقيفه، وما إذا كانت العلاقات والمال يؤديان دوراً في ذلك".

لكنه يشدد على "ضرورة التمييز بين مؤشرات التواطؤ وبين إثبات وجود قرار رسمي بتشغيل مسار التهريب"، مؤكداً أن هذه الشهادات "تحتاج إلى تحقيق مستقل".

وبحسب لملوم، لا تذهب الأموال إلى شخص واحد، وإنما تتوزع على شبكة تشمل نقل المهاجرين وتجميعهم، والوسطاء والسائقين، وشراء القوارب والوقود، إلى جانب جهات قد توفر الحماية أو تسهل المرور. ويضيف أن "من المنطقي أن تتوزع الأموال على شبكة داخل ليبيا وخارجها".

 

مهاجرون ينتظرون نقلهم في ميناء أغيا غاليني في جزيرة كريت، في 19 كانون الأول/ديسمبر 2025، بعدما أنقذ خفر السواحل اليوناني نحو 540 مهاجراً قبالة جزيرة غافدوس. (أ ف ب).
مهاجرون ينتظرون نقلهم في ميناء أغيا غاليني في جزيرة كريت، في 19 كانون الأول/ديسمبر 2025، بعدما أنقذ خفر السواحل اليوناني نحو 540 مهاجراً قبالة جزيرة غافدوس. (أ ف ب).

 

من أين يدخل المهاجرون؟

يوضح لملوم أن بعض المهاجرين يدخلون ليبيا بصورة نظامية، بينما يصل آخرون عبر طرق غير رسمية. وبالنسبة إلى السودانيين، تصل أعداد كبيرة عبر الجنوب الشرقي، وخصوصاً مدينة الكفرة، بعدما دخل معظمهم عبر طرق حدودية غير رسمية أو بمساعدة شبكات نقل وتهريب في ظل الحرب والنزوح، قبل أن يتحركوا شمالاً نحو أجدابيا وبنغازي وطبرق.

أما المصريون، فيوضح أن بعضهم يدخل بصورة نظامية عبر المنافذ البرية أو مطار بنغازي، فيما يدخل آخرون عبر الحدود الصحراوية. ويؤكد أن محاولة الهجرة إلى اليونان "لا تعني بالضرورة دخول ليبيا بصورة غير قانونية، إذ قد يدخل الشخص ليبيا بشكل قانوني ثم يقرر لاحقاً خوض رحلة البحر".

وكانت السلطات اليونانية قد أعلنت توقيف ستة أشخاص، بينهم ثلاثة من جنوب السودان وسوداني ومصريان، بتهم تتعلق بتسهيل الدخول غير النظامي وتعريض حياة المهاجرين للخطر.

وقد تمثل هذه التوقيفات الحلقة الظاهرة فقط من شبكة أوسع تمتد عبر دول المنشأ والعبور والساحل الليبي، ولا تكشف بالضرورة كامل البنية التي تقف وراء تنظيم الرحلات وتمويلها وتأمينها.

ويرى الأمين العام لـ"المنظمة العربية لحقوق الإنسان" عبد المنعم الحر أن الانقسام المؤسسي والعسكري في ليبيا غيّب استراتيجية وطنية موحدة، وحوّل التعامل مع الهجرة إلى مقاربات أمنية تدير الأزمة ولا تحلها. ويشدد في تصريح لـ"النهار" على أن استمرار جريمة الاتجار بالبشر العابرة للحدود واستغلال المهاجرين والنساء والأطفال "يمثل أزمة أخلاقية وإنسانية تستدعي تضافر الجهود الوطنية والدولية، لتجفيف منابع هذه التجارة وحماية الضحايا ومحاسبة المتورطين".

ويطالب الحر باستراتيجية وطنية مستدامة تبدأ بتوحيد المؤسسات المعنية بالهجرة، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمهاجرين، وإصلاح منظومة الاحتجاز وتنظيم سوق العمل وتشديد ملاحقة شبكات التهريب، إلى جانب إعادة صياغة الشراكة مع أوروبا على أساس المسؤولية المشتركة.

 

ورقة ضغط سياسية

 

في المقابل، لا يغفل لملوم البعد السياسي، إذ يرى أن ارتفاع الرحلات إلى كريت جعل الهجرة ورقة تفاوض لسلطات شرق ليبيا مع أوروبا.

ويخلص إلى أن المسار يمثل "اقتصاداً متكاملاً للهجرة، وشبكات مصالح، وورقة ضغط سياسية"، مؤكداً أن كشف المستفيدين الحقيقيين يتطلب تتبع الأموال وملكية القوارب وشبكات النقل والحماية، عوض الاكتفاء بتوقيف المهاجرين وقادة القوارب.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/16/2026 8:51:00 PM
يعاني من مرض "الناعور" (اضطراب تجلط الدم)، وتدهورت حالته الصحية بشكل خطير بعد أيام من توقيفه.
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
لبنان 8/17/2026 12:43:00 PM
مصاباً بطلق ناري من مسدس حربي في الرأس