"لا أخاف الموت"... أحمد يختصر حكاية شباب تونس مع الهجرة

شمال إفريقيا 12-08-2026 | 06:36

"لا أخاف الموت"... أحمد يختصر حكاية شباب تونس مع الهجرة

بين البطالة وانسداد الأفق، يتمسك آلاف الشباب في تونس بحلم الهجرة رغم مخاطر البحر. قصة أحمد تكشف لماذا تبدو أوروبا لكثيرين طريقاً أخيراً نحو حياة أفضل.
"لا أخاف الموت"... أحمد يختصر حكاية شباب تونس مع الهجرة
أكثر من 156 ألف شاب تونسي هاجروا بين عامي 2019 و2024. (رويترز)
Smaller Bigger

لم يكن أحمد يحلم يوماً بالعيش بعيداً عن تونس، عن أهله وحبيبته. في الثلاثين من عمره، يحمل شهادة في الميكانيك، وخلفه سنوات من البحث عن فرصة تتيح له بناء حياة عادية: عمل مستقر، زواج، وبيت صغير يجمعه بخطيبته التي ارتبط بها منذ تسع سنوات.

مرت السنوات، وجرّب أحمد أكثر من مهنة، لكن مشروع الزواج بقي مؤجلاً، فيما تحولت أوروبا في ذهنه إلى السبيل الوحيد للخلاص من واقع يصفه بأنه "بلا أفق".

يقول لـ"النهار": "الغربة في حد ذاتها ليست هدفي أو حلمي. لو وجدت عملاً ودخلاً في تونس يسمحان لي بالزواج ويمنحانني حياة بكرامة، فلن أفكر أبداً في الرحيل. كل ما أرغب فيه هو الهجرة وجمع المال، ثم العودة لبناء حياتي هنا بين أهلي".

 

رحلة انتهت قبل أن تبدأ

يروي أحمد تفاصيل محاولته الأولى لـ"الحرقة"، وهي التسمية العامية في تونس للهجرة غير النظامية. ولا يزال يستحضر الليلة التي اعتقد فيها أن حياته القديمة توشك على الانتهاء، وأن حياة أخرى ستبدأ على الضفة المقابلة للبحر المتوسط.

جمع 7 آلاف دينار (نحو 2500 دولار)، بمساعدة أفراد عائلته، لتأمين ثمن الرحلة على متن قارب متهالك، وانتظر موعد الإبحار مع مجموعة من الشبان.

لكن الرحلة انتهت قبل أن تبدأ. "نشب خلاف بين منظم الرحلة وقائد المركب بسبب الأحوال الجوية، واستقر الرأي على تأجيل موعدها"، يقول أحمد.

انتظر طويلاً مكالمة تخبره بالموعد الجديد، لكن من دون جدوى. وتحولت وعود الوصول إلى أوروبا إلى عملية احتيال خسر خلالها أمواله، فعاد مرة أخرى إلى نقطة الصفر.

مع ذلك، لم تدفعه التجربة إلى التراجع. على العكس، يقول إنه بات أكثر تصميماً على تكرار المحاولة حتى ينجح.

وعن شعوره في تلك الليلة، يقول: "كنت سعيداً لأن حلمي تحقق أخيراً، وكنت أشعر في الوقت نفسه بالخوف من هول الرحلة".

 

أحمد، شاب تونسي في الثلاثين، لا يزال مصمماً على الهجرة رغم فشل محاولته الأولى عبر البحر.
أحمد، شاب تونسي في الثلاثين، لا يزال مصمماً على الهجرة رغم فشل محاولته الأولى عبر البحر.

 

أزمة تتجاوز قصة أحمد

خلف قصة أحمد، قصص آلاف الشباب التونسيين الذين يحلمون بالهجرة هرباً من واقع اقتصادي واجتماعي صعب، في بلد لا تزال فيه البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب.

ولم تعد هجرة الشباب مرتبطة فقط بالرغبة في تحسين الدخل أو البحث عن فرص عمل في الخارج، إذ باتت تعكس أيضاً أزمة ثقة في المستقبل داخل البلاد.

وأظهرت أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة البطالة في تونس بلغت 15.2 في المئة، وارتفعت بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 38.4 في المئة. كذلك، لم تعد الشهادة الجامعية جواز عبور مضموناً إلى سوق العمل، إذ بلغت البطالة بين حاملي الشهادات العليا 22.5 في المئة.

وأظهرت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024 أن أكثر من 150 ألف تونسي غادروا البلاد خلال السنوات الخمس السابقة للتعداد للاستقرار في الخارج.

وتشير بيانات التعداد إلى أن عدد الشباب التونسيين الذين هاجروا بين عامي 2019 و2024 بلغ نحو 156 ألفاً و497، مقارنة بنحو 65 ألفاً و927 خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2014.

 

الهجرة ليست بالقوارب فقط

وفيما يلجأ كثيرون إلى الهجرة غير النظامية عبر البحر، تعددت خلال السنوات الأخيرة طرق المغادرة، بالتزامن مع تفاقم هجرة الأدمغة والكفاءات، ولا سيما في مجالات الطب والهندسة والتخصصات التقنية، وسط تحذيرات من انعكاساتها على قطاعات حيوية.

ويعزو خبراء هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، بينها ضعف الأجور، وتراجع ظروف العمل، ومحدودية فرص التطور المهني والبحث العلمي.

وفي تصريحات حديثة، قالت عمادة المهندسين التونسيين إن تونس تخسر سنوياً نحو 46 ألف مهندس، فيما تشير أرقام أخرى إلى أن نحو 6 آلاف طبيب غادروا البلاد بين عامي 2021 و2024.

 

البحر لا يوقف الحلم

وبينما عززت تونس خلال السنوات الأخيرة تعاونها مع الاتحاد الأوروبي للحد من عمليات العبور عبر البحر المتوسط،لم يؤد تشديد الرقابة على الحدود إلى وقف محاولات المغادرة على متن القوارب المتهالكة.

ولا يزال البحر المتوسط، واحداً من أخطر مسارات الهجرة في العالم. ومع بداية عام 2026، سجلت المنظمة الدولية للهجرة مئات الوفيات وحالات الفقدان في المتوسط، وسط تحذيرات من أن الحصيلة الحقيقية قد تكون أكبر بكثير.

ووفق أرقام صادرة عن منظمات تُعنى بملف الهجرة، بلغ عدد المهاجرين التونسيين المفقودين في البحر نحو 10 آلاف شخص منذ عام 2011.

يعرف أحمد كل ذلك. ويعرف أيضاً أن رحلته المقبلة قد لا تنتهي في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية كما يتمنى، لكنه لا يزال مصمماً على المقامرة بحياته أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى.

وحين نسأله للمرة الأخيرة إن كان مستعداً فعلاً للصعود إلى القارب، رغم كل ما يسمعه عن الغرق والموت، لا يتردد في الإجابة:

"نعم".

 

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.