عبوة المنصوري تعيد بنغازي إلى زمن الاغتيالات... من اخترق معقل الجيش الوطني؟

شمال إفريقيا 11-08-2026 | 16:15

عبوة المنصوري تعيد بنغازي إلى زمن الاغتيالات... من اخترق معقل الجيش الوطني؟

اغتيال اللواء فوزي المنصوري بعبوة ناسفة يعيد شبح الاغتيالات إلى بنغازي، ويطرح أسئلة عن اختراق أمني محتمل والجهة التي تقف خلف العملية.
عبوة المنصوري تعيد بنغازي إلى زمن الاغتيالات... من اخترق معقل الجيش الوطني؟
اللواء الراحل فوزي المنصوري. (اكس)
Smaller Bigger

أعاد اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي اللواء فوزي المنصوري شبح العمليات التي طبعت سنوات تمدد الجماعات المتطرفة في بنغازي (شرق ليبيا)، بعدما انفجرت عبوة ناسفة زُرعت في سيارته أمام منزله، في واحدة من أخطر العمليات التي تستهدف قيادياً عسكرياً في شرق البلاد منذ سنوات.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن الانفجار نجم عن عبوة ناسفة زُرعت في سيارة المنصوري، فيما لم يتضح ما إذا كان التفجير تم بالتحكم من بُعد أم عند تشغيل محرك السيارة، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية.

وتتجاوز دلالة الاغتيال شخص المنصوري، باعتباره أحد أبرز رجال المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا. فقد شغل مواقع ميدانية وأمنية مهمة، وارتبط اسمه بالحرب على التنظيمات المتطرفة في بنغازي ودرنة (شرق ليبيا)، فضلاً عن قربه من قائد الجيش الوطني خليفة حفتر. ويجعل نجاح المنفذين في الوصول إلى سيارته أمام منزله الاختراق الأمني في صلب القضية: كيف أمكن رصد مسؤول يتولى واحداً من أكثر الملفات حساسية في شرق ليبيا، والوصول إليه وتنفيذ عملية بهذا المستوى داخل معقل الجيش؟

ونعى حفتر المنصوري، واصفاً إياه بأنه من "رجال القوات المسلحة الأبطال"، ومشيداً بدوره في "ملحمة الكرامة ومواجهة الإرهاب". واعتبر أن طريقة الاغتيال تعيد إلى الأذهان أسلوب العبوات اللاصقة الذي استخدمته الجماعات الإرهابية عام 2014 لاستهداف ضباط ونشطاء وأصحاب رأي، متعهداً بملاحقة المسؤولين عن الجريمة.

كذلك وصفت الحكومة المكلفة من مجلس النواب العملية بأنها "جريمة إرهابية غادرة"، وطالبت الأجهزة الأمنية بكشف ملابساتها وملاحقة المنفذين ومن يقف خلفهم. ودعت المنظمة الليبية لحقوق الإنسان إلى تحقيق عاجل وشامل وشفاف، معتبرة مقتل المنصوري "تطوراً أمنياً بالغ الخطورة وخسارة للمؤسسة العسكرية".

 

من هو المنصوري؟

 

تكتسب فرضية الانتقام من الجماعات المتطرفة أهميتها من المسار العسكري للمنصوري نفسه. ويوضح الباحث في الشؤون السياسية والأمنية عمر أبو أسعيدة لـ"النهار" أن المنصوري التحق مبكراً بثورة شباط/فبراير 2011، قبل انضمامه إلى "عملية الكرامة"، وتولى قيادة غرفة عمليات أجدابيا وشارك في عمليات بنغازي ودرنة ضد تنظيمي "القاعدة" و"داعش". كما تولى قيادة محاور وغرف عمليات عدة، وأسهم في تأمين مناطق واسعة وملاحقة أوكار الجماعات المسلحة، قبل تكليفه بإدارة الاستخبارات العسكرية في صيف 2024.

ويضيف مدير مؤسسة "ابدأ" للدراسات عبد الله الغرياني بعداً آخر إلى هذا المسار، مشيراً إلى أن المنصوري "أسهم في اعتقال الإرهابي المصري هشام عشماوي في درنة قبل تسليمه إلى القاهرة، كما شارك في الهجوم على طرابلس عام 2019".

ويلفت الغرياني أيضاً، في حديث لـ"النهار"، إلى أن المنصوري ينحدر من القبيلة نفسها التي ينتمي إليها اللواء عبد الفتاح يونس، الذي اغتيل عام 2011.

 

آخر ظهور للواء الراحل فوزي المنصوري، خلال حضوره الأحد احتفالاً أقامه خليفة حفتر بمناسبة الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي. (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)
آخر ظهور للواء الراحل فوزي المنصوري، خلال حضوره الأحد احتفالاً أقامه خليفة حفتر بمناسبة الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي. (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

 

خرق أمني في معقل الجيش

 

طريقة تنفيذ العملية هي العنصر الأبرز في فرضية عودة الخلايا المتطرفة. فالغرياني، الذي سبق أن أصيب في هجوم بالطريقة نفسها على خلفية تظاهرة مناوئة للجماعات المتطرفة عام 2013، يستعيد نمط اغتيال المسؤولين العسكريين الذي ساد ليبيا بين عامي 2011 و2014، ويرى أن نمط انتقام التنظيمات الإرهابية من القيادات العسكرية "قد يكون تكرر" في حادث المنصوري.

ويرجح أن تكون "خلية إرهابية قد تتبعت تحركاته حتى تمكنت من زرع المتفجرات في سيارته، مستفيدة، ربما، من فترات انقطاع الكهرباء لإخفاء تحركاتها".

لكن الوصول إلى مدير الاستخبارات العسكرية يطرح سؤالاً يتجاوز هوية التنظيم المحتمل إلى طبيعة الاختراق الذي أتاح تنفيذ العملية. ويرى المستشار في مجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بوالرايقة، في حديث لـ"النهار"، أن الاغتيال "يحمل بصمات خلية منظمة راقبت تحركات المنصوري، وامتلكت معلومات محلية وقدرة فنية للوصول إلى محيطه".

ويلفت إلى أن "دقة التنفيذ ترجّح وجود تخطيط مسبق وتسهيلات على الأرض، لكنها لا تكفي لاتهام جهة بعينها"، مشدداً على أن تحديد هوية المنفذين والجهة التي تقف وراءهم يبقى رهناً بنتائج التحقيق والأدلة الجنائية.

وهذا التحفظ يكتسب أهمية في ظل غياب تبنٍّ للعملية. فالمحلل السياسي محمد محفوظ يحذر من استباق التحقيقات، مؤكداً لـ"النهار" أن الحادث "شكّل مفاجأة في ظل الاستقرار الأمني الذي تشهده المنطقة الشرقية منذ سنوات"، وخصوصاً أن الجماعات التي كانت تعتمد الاغتيالات بالعبوات المتفجرة "تراجعت بشكل كبير، ولم يعد لها وجود مؤثر سوى في جيوب نائية بصحراء الجنوب".

 

ماذا عن التوقيت؟

 

يفتح انحسار نشاط هذه الجماعات الباب أمام قراءة أخرى تتصل بتوقيت الاغتيال. فالمنظمة الليبية لحقوق الإنسان ربطته بإحاطة مجلس الأمن الأخيرة بشأن ليبيا، التي حذرت، وفق بيان المنظمة، من تصاعد التهديدات الأمنية والإرهابية، وفي مقدمها مخاطر "داعش".

لكن أبو أسعيدة يقرأ التوقيت أيضاً من زاوية سياسية، معتبراً أن الاغتيال يحمل "حساسية ودلالات كبيرة، خصوصاً مع دخول العملية السياسية مراحل متقدمة، بالتزامن مع وجود أطراف تعارض هذه المسارات". ويرى أن ارتفاع الموقف التفاوضي لقيادة الجيش قد يدفع بعض الأطراف إلى محاولة إحداث "هزة" في مناطق سيطرتها، مستبعداً نجاح ذلك في إعادة البلاد إلى "حقبة الظلام والاغتيالات".

ويتقاطع محفوظ معه عند أهمية التوقيت، إذ يشير إلى تزامن الحادث مع مساعٍ دولية ومحلية لتحريك ملف توحيد المؤسسة العسكرية، ما يمنحه أبعاداً سياسية وأمنية محتملة، مع إبقاء هوية الجهة المسؤولة مفتوحة على كل الاحتمالات في انتظار نتائج التحقيقات.

وهكذا، تتقاطع في اغتيال المنصوري ثلاثة عناصر: سجل عسكري جعله خصماً مباشراً للتنظيمات المتطرفة، وأسلوب تنفيذ يعيد إلى الأذهان سنوات الاغتيالات في بنغازي، وتوقيت سياسي حساس. لكن السؤال الذي يطرحه العنوان يبقى بلا إجابة حاسمة حتى الآن، فالوصول إلى مدير الاستخبارات العسكرية يشير إلى قدرة على الرصد والتخطيط والتنفيذ داخل معقل الجيش، أما تحديد أصحاب هذه القدرة فيبقى رهناً بما تكشفه التحقيقات.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.